فصل: تفسير الآيات رقم (55- 56)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


تفسير الآية رقم ‏[‏53‏]‏

‏{‏وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏(‏53‏)‏‏}‏

هذا تذكير بنعمة نزول الشريعة التي بها صلاح أمورهم وانتظام حياتهم وتأليف جماعتهم مع الإشارة إلى تمام النعمة وهم يعدونها شعار مجدهم وشرفهم لسعة الشريعة المنزلة لهم حتى كانت كتاباً فكانوا به أهل كتاب أي أهل علم تشريع‏.‏

والمراد من ‏(‏الكتاب‏)‏ التوراة التي أوتيها موسى فالتعريف للعهد، ويعتبر معها ما ألحق بها على نحو ما قدمناه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك الكتاب‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 2‏]‏‏.‏

والفرقان مصدر بوزن فعلان مشتق من الفرق وهو الفصل استعير لتمييز الحق من الباطل فهو وصف لغوي للتفرقة فقد يطلق على كتاب الشريعة وعلى المعجزة وعلى نصر الحق على الباطل وعلى الحجة القائمة على الحق وعلى ذلك جاءت آيات ‏{‏تبارك الذي نزل الفرقان على عبده‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 1‏]‏ ‏{‏ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 48‏]‏ فلعله أراد المعجزات لأن هارون لم يؤت وحياً وقال‏:‏ ‏{‏يوم الفرقان يوم التقى الجمعان‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 41‏]‏ يعني يوم النصر يوم بدر وقال‏:‏ ‏{‏وأنزل الفرقان‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 4‏]‏ عطفاً على ‏{‏نزل عليك الكتاب بالحق وأنزل التوراة والإنجيل‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 3‏]‏ الآية‏.‏

والظاهر أن المراد به هنا المعجزة أو الحجة لئلا يلزم عطف الصفة على موصوفها إن أريد بالفرقان الكتاب الفارق بين الحق والباطل والصفة لا يجوز أن تتبع موصوفها بالعطف ومن نظر ذلك بقول الشاعر‏:‏

إلى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم

فقد سها لأن ذلك من عطف بعض الصفات على بعض لا من عطف الصفة على الموصوف كما نبه عليه أبو حيان‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لعلكم تهتدون‏}‏ هو محل المنة لأن إتيان الشريعة لو لم يكن لاهتدائهم وكان قاصراً على عمل موسى به لم يكن فيه نعمة عليهم‏.‏ والقول في ‏{‏لعلكم تهتدون‏}‏ كالقول في ‏{‏لعلكم تشكرون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 52‏]‏ السابق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏54‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‏(‏54‏)‏‏}‏

هذه نعمة أخرى وهي نعمة نسخ تكليف شديد عليهم كان قد جعل جابراً لما اقترفوه من إثم عبادة الوثن فحصل العفو عنهم بدون ذلك التكليف فتمت المنة وبهذا صح جعل هذه منة مستقلة بعد المنة المتضمنة لها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم عفونا عنكم من بعد ذلك‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 52‏]‏ لأن العفو عن المؤاخذة بالذنب في الآخرة قد يحصل مع العقوبة الدنيوية من حد ونحوه وهو حينئذ منة إذ لو شاء الله لجعل للذنب عقابين دنيوي وأخروي كما كان المذنب النفس والبدن ولكن الله برحمته جعل الحدود جوابر في الإسلام كما في الحديث الصحيح، فلما عفا الله عن بني إسرائيل على أن يقتلوا أنفسهم فقد تفضل بإسقاط العقوبة الأخروية التي هي أثر الذنب، ولما نسخ تكليفهم بقتل أنفسهم فقد تفضل بذلك فصارت منتان‏.‏

فقول موسى لقومه‏:‏ ‏{‏إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم‏}‏ تشريع حكم لا يكون مثله إلا عن وحي لا عن اجتهاد وإن جاز الاجتهاد للأنبياء فإن هذا حكم مخالف لقاعدة حفظ النفوس التي قيل قد اتفق عليها شرائع الله فهو يدل على أنه كلفهم بقتل أنفسهم قتلاً حقيقة إما بأن يقتل كل من عبد العجل نفسه فيكون المراد بالأنفس الأرواح التي في الأجسام فالفاعل والمفعول واحد على هذا وإنما اختلفا بالاعتبار كقوله ‏{‏ظلمتم أنفسكم‏}‏ وقول ابن أذينة‏:‏

وإذا وجدت لها وساوس سلوءه *** شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها

وإما بأن يقتل من لم يعبدوا العجل عابديه، وكلام التوراة في هذا الغرض في غاية الإبهام وظاهره أن موسى أمره الله أن يأمر اللاويين الذين هم من سبط لاوي الذي منه موسى وهارون أن يقتلوا من عبد العجل بالسيف وأنهم فعلوا وقتلوا ثلاثة آلاف نفس ثم استشفع لهم موسى فغفر الله لهم أي فيكون حكم قتل أنفسهم منسوخاً بعد العمل به ويكون المعنى فليقتل بعضكم بعضاً، فالأنفس مراد بها الأشخاص كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا دخلتهم بيوتاً فسلموا على أنفسكم‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 61‏]‏ أي فليسلم بعضكم على بعض وقوله‏:‏ ‏{‏وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 84‏]‏ أي لا يسفك بعضكم دماء بعض وقوله عقبه‏:‏ ‏{‏ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 85‏]‏ فالفاعل والمفعول متغايران‏.‏

ومن الناس من حمل الأمر بقتل النفس هنا على معنى القتل المجازي وهو التذليل والقهر على نحو قول امرئ القيس‏:‏ «في أعشار قلب مقتَّل» وقوله‏:‏ خمر مقتلة أو مقتولة، أي مذللة سورتها بالماء‏.‏ قال بجير بن زهير‏:‏

إن التي ناولْتَني فرددتُها *** قُتِلتْ قُتِلت فهاتها لم تُقتلِ

وفيه بعد عن اللفظ بل مخالفة لغرض الامتنان، لأن تذليل النفس وقهرها شريعة غير منسوخة‏.‏

والظلم هنا الجناية والمعصية على حد قوله‏:‏

‏{‏إن الشرك لظلم عظيم‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 13‏]‏‏.‏

والفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فتوبُوا‏}‏ فاء التسبب لأن الظلم سبب في الأمر بالتوبة فالفاء لتفريع الأمر على الخبر وليست هنا عاطفة عند الزمخشري وابن الحاجب إِذ ليس بين الخبر والإنشاء ترتب في الوجود، ومن النحاة من لا يرى الفاء تخرج عن العطف وهو الجاري على عبارات الجمهور مثل صاحب «مغني اللبيب» فيجعل ذلك عطف إنشاء على خبر ولا ضير في ذلك‏.‏

وذكر التوبة تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 37‏]‏‏.‏

والفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فاقتلوا أنفسكم‏}‏ ظاهرة في أن قتلهم أنفسهم بيان للتوبة المشروعة له فتكون الفاء للترتيب الذكري وهو عطف مفصل على مجمل كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 153‏]‏ كما في «مغني اللبيب» وهو يقتضي أنها تفيد الترتيب لا التعقيب‏.‏ وأما صاحب «الكشاف» فقد جوز فيه وجهين أحدهما تأويل الفعل المعطوف عليه بالعزم على الفعل فيكون ما بعده مرتباً عليه ومعقباً وهذا الوجه لم يذكره صاحب «المغني» وهذا لا يتأتى في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا‏}‏، وثانيهما جعل التوبة المطلوبة شاملة لأقوال وأعمال آخرها قتلهم أنفسهم فتكون الفاء للترتيب والتعقيب أيضاً‏.‏

وعندي أنه إذا كانت الجملة الثانية منزلة منزلة البيان من الجملة الأولى وكانت الأولى معطوفة بالفاء كان الأصل في الثانية أن تقطع عن العطف فإذا قرنت بالفاء كما في هذه الآية كانت الفاء الثانية مؤكدة للأولى، ولعل ذلك إنما يحسن في كل جملتين تكون أولاهما فعلاً غير محسوس وتكون الثانية فعلاً محسوساً مبين للفعل الأول فينزل منزلة حاصل عقبه فيقرن بالفاء لأنه لا يحصل تمامه إلا بعد تقرير الفعل الأول في النفس ولذلك قربه صاحب «الكشاف» بتأويل الفعل الأول بالعزم في بعض المواضع‏.‏

والبارئ هو الخالق الخلق على تناسب وتعديل فهو أخص من الخالق ولذلك أتبع به الخالق في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هو الله الخالق البارئ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 24‏]‏‏.‏

وتعبير موسى عليه السلام في كلامه بما يدل على معنى لفظ البارئ في العربية تحريض على التوبة لأنها رجوع عن المعصية ففيها معنى الشكر وكون الخلق على مثال متناسب يزيد تحريضاً على شكر الخالق‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فتاب عليكم‏}‏ ظاهر في أنه من كلام الله تعالى عند تذكيرهم بالنعمة وهو محل التذكير من قوله‏:‏ ‏{‏وإذ قال موسى لقومه‏}‏ إلخ فالماضي مستعمل في بابه من الإخبار وقد جاء على طريقة الالتفات لأن المقام للتكلم فعدل عنه إلى الغيبة ورجحه هنا سبق معاد ضمير الغيبة في حكاية كلام موسى‏.‏ وعطفت الفاء على محذوف إيجازاً، أي ففعلتم فتاب عليكم أو فعزمتم فتاب عليكم، على حد ‏{‏أن اضرب بعصاك البحر فانفلق‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 63‏]‏ أي فضرب، وعطف بالفاء إشارة إلى تعقيب جرمهم بتوبته تعالى عليهم وعدم تأخيرها إلى ما بعد استئصال جميع الذين عبدوا العجل بل نسخ ذلك بقرب نزوله بعد العمل به قليلاً أو دون العمل به وفي ذلك رحمة عظيمة بهم إذ حصل العفو عن ذنب عظيم بدون تكليفهم توبة شاقة بل اكتفاء بمجرد ندمهم وعزمهم على عدم العود لذلك‏.‏

ومن البعيد أن يكون ‏{‏فتاب عليكم‏}‏ من كلام موسى لما فيه من لزوم حذف في الكلام غير واضح القرينة؛ لأنه يلزم تقدير شرط تقديره فإن فعلتم يتب عليكم فيكون مراداً منه الاستقبال والفاء فصيحة، ولأنه يعرى هذه الآية عن محل النعمة المذكر به إلا تضمناً‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏إنه هو التواب الرحيم‏}‏ خبر وثناء على الله، وتأكيده بحرف التوكيد لتنزيلهم منزلة من يشك في حصول التوبة عليهم لأن حالهم في عظم جرمهم حال من يشك في قبول التوبة عليه وإنما جمع التواب مع الرحيم لأن توبته تعالى عليهم كانت بالعفو عن زلّة اتخاذهم العجل وهي زلة عظيمة لا يغفرها إلا الغفار، وبالنسخ لحكم قتلهم وذلك رحمة فكان للرحيم موقع عظيم هنا وليس هو لمجرد الثناء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏55- 56‏]‏

‏{‏وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ‏(‏55‏)‏ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏56‏)‏‏}‏

تذكير بنعمة أخرى نشأت بعد عقاب على جفاء طبع فمحل المنة والنعمة هو قوله‏:‏ ‏{‏ثم بعثناكم‏}‏، وما قبله تمهيد له وتأسيس لبنائه كما تقدم في قوله‏:‏ ‏{‏وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 51‏]‏ الآية‏.‏ والقائلون هم أسلاف المخاطبين وذلك أنهم قالوا لموسى ‏{‏لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة‏}‏‏.‏

والظاهر أن هذا القول وقع منهم بعد العفو عن عبادتهم العجل كما هو ظاهر ترتيب الآيات، روى ذلك البغوي عن السدي، وقيل‏:‏ إن ذلك سألوه عند مناجاته وأن السائلين هم السبعون الذين اختارهم موسى للميقات وهم المعبر عنهم في التوراة بالكهنة وبشيوخ بني إسرائيل‏.‏ وقيل‏:‏ سأل ذلك جمع من عامة بني إسرائيل نحو العشرة الآلاف وهذان القولان حكاهما في «الكشاف» وليس في التوراة ما هو صريح لترجيح أحد القولين ولا ما هو صريح في وقوع هذا السؤال ولكن ظاهر ما في سفر التثنية منها ما يشير إلى أن هذا الاقتراح قد صدر وأنه وقع بعد كلام الله تعالى الأول لموسى لأنها لما حكت تذكير موسى في مخاطبة بني إسرائيل ذكرت ما يغاير كيفية المناجاة الأولى إذ قال‏:‏ فلما سمعتم الصوت من وسط الظلام والجبل يشتعل بالنار تقدم إليّ جميع رؤساء أسباطكم وشيوخكم وقلتم هو ذا الرب إلهنا قد أرانا مجده وعظمته وسمعنا صوته من وسط النار‏.‏‏.‏‏.‏ إن عندما نسمع صوت الرب إلهنا أيضاً نموت‏.‏‏.‏‏.‏ تقدم أنت واسمع كل ما يقول لك الرب إلهنا وكلمنا بكل ما يكلمك به الرب إلخ‏.‏ فهذا يؤذن أن هنالك ترقباً كان منهم لرؤية الله تعالى وأنهم أصابهم ما بلغ بهم مبلغ الموت، وبعد فالقرآن حجة على غيره مصدقاً لما بين يديه ومهيمناً عليه‏.‏ والظاهر أن ذلك كان في الشهر الثالث بعد خروجهم من مصر‏.‏

ومعنى ‏{‏لا نؤمن لك‏}‏ يحتمل أنهم توقعوا الكفر إن لم يروا الله تعالى أي إنهم يرتدون في المستقبل عن إيمانهم الذي اتصفوا به من قبل، ويحتمل أنهم أرادوا الإيمان الكامل الذي دليله المشاهدة أي إن أحد هذين الإيمانين ينتفي إن لم يروا الله جهرة لأن لن لنفي المستقبل قال سيبويه‏:‏ «لا لنفي يفعل ولن لنفي سيفعل» وكما أن قولك سيقوم لا يقتضي أنه الآن غير قائم فليس في الآية ما يدل على أنهم كفروا حين قولهم هذا ولكنها دالة على عجرفتهم وقلة اكتراثهم بما أوتوا من النعم وما شاهدوا من المعجزات حتى راموا أن يروا الله جهرة وإن لم يروه دخلهم الشك في صدق موسى وهذا كقول القائل إن كان كذا فأنا كافر‏.‏ وليس في القرآن ولا في غيره ما يدل على أنهم قالوا ذلك عن كفر‏.‏

وإنما عدى ‏{‏نؤمن‏}‏ باللام لتضمينه معنى الإقرار بالله ولن نقر لك بالصدق والذي دل على هذا الفعل المحذوف هو اللام وهي طريقة التضمين‏.‏

والجهرة مصدر بوزن فَعلة من الجهر وهو الظهور الواضح فيستعمل في ظهور الذوات والأصوات حقيقة على قول الراغب إذ قال‏:‏ «الجهر ظهور الشيء بإفراط إما بحاسة البصر نحو رأيته جهاراً ومنه جهر البئر إذا أظهر ماءها، وإما بحاسة السمع نحو‏:‏ ‏{‏وإن تجهر بالقول‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 7‏]‏» وكلام «الكشاف» مؤذن بأن الجهر مجاز في الرؤية بتشبيه الذي يرى بالعين بالجاهر بالصوت والذي يرى بالقلب بالمخافت، وكان الذي حداه على ذلك اشتهار استعمال الجهر في الصوت وفي هذا كله بعد إذ لا دليل على أن جهرة الصوت هي الحقيقة ولا سبيل إلى دعوى الاشتهارفي جهرة الصوت حتى يقول قائل إن الاشتهار من علامات الحقيقة على أن الاشتهار إنما يعرف به المجاز القليل الاستعمال، وأما الأشهرية فليست من علامات الحقيقة، ولأنه لا نكتة في هذه الاستعارة ولا غرض يرجع إلى المشبه من هذا التشبيه فإن ظهور الذوات أوضح من ظهور الأصوات‏.‏

وانتصب ‏(‏جهرة‏)‏ على المفعول المطلق لبيان نوع فعل ترى لأن من الرؤية ما يكون لمحة أو مع سائر شفاف فلا تكون واضحة‏.‏

ووجه العدول عن أن يقول عياناً إلى قوله ‏(‏جهرة‏)‏ لأن جهرة أفصح لفظاً لخفته، فإنه غير مبدوء بحرف حلق والابتداء بحرف الحلق أتعب للحلق من وقوعه في وسط الكلام ولسلامته من حرف العلة وكذلك يجتبي البلغاء بعض الألفاظ على بعض لحسن وقعها في الكلام وخفتها على السمع وللقرآن السهم المعلى في ذلك وهو في غاية الفصاحة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فأخذتكم الصاعقة‏}‏ أي عقوبة لهم عما بدا منهم من العجرفة وقلة الاكتراث بالمعجزات‏.‏ وهذه عقوبة دنيوية لا تدل على أن المعاقب عليه حرام أو كفر لا سيما وقد قدر أن موتهم بالصاعقة لا يدوم إلا قليلاً فلم تكن مثل صاعقة عاد وثمود‏.‏ وبه تعلم أن ليس في إصابة الصاعقة لهم دلالة على أن رؤية الله تعالى مستحيلة وأن سؤالها والإلحاح فيه كفر كما زعم المعتزلة وأن لا حاجة إلى الجواب عن ذلك بأن الصاعقة لاعتقادهم أنه تعالى يشبه الأجسام فكانوا بذلك كافرين إذ لا دليل في الآية ولا غيرها على أنهم كفروا، كيف وقد سأل الرؤية موسى عليه السلام‏.‏

والصاعقة نار كهربائية من السحاب تحرق من أصابته، وقد لا تظهر النار ولكن يصل هواؤها إلى الأحياء فيختنقون بسبب ما يخالط الهواء الذي يتنفسون فيه من الحوامض الناشئة عن شدة الكهربائية، وقد قيل‏:‏ إن الذي أصابهم نار، وقيل‏:‏ سمعوا صعقة فماتوا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وأنتم تنظرون‏}‏ فائدة التقييد بهذا الحال عند صاحب «الكشاف» الدلالة على أن الصاعقة التي أصابتهم نار الصاعقة لا صوتها الشديد لأن الحال دلت على أن الذي أصابهم مما يرى، وقال القرطبي أي وأنتم ينظر بعضكم إلى بعض أي مجتمعون‏.‏

وعندي أين مفعول ‏{‏تنظرون‏}‏ محذوف وأن ‏(‏تنظرون‏)‏ بمعنى تحدقون الأنظار عند رؤية السحاب على جبل الطور طمعاً أن يظهر لهم الله من خلاله لأنهم اعتادوا أن الله يكلم موسى كلاماً يسمعه من خلال السحاب كما تقوله التوراة في مواضع، ففائدة الحال إظهار أن العقوبة أصابتهم في حين الإساءة والعجرفة إذ طمعوا فيما لم يكن لينال لهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ثم بعثناكم من بعد موتكم‏}‏ إيجاز بديع، أي فمتم من الصاعقة ثم بعثناكم من بعد موتكم، وهذا خارق عهادة جعل الله معجزة لموسى استجابة لدعائه وشفاعته أو كرامة لهم من بعد تأديبهم إن كان السائلون هم السبعين فإنهم من صالحي بني إسرائيل‏.‏

فإن قلت إذا كان السائلون هم الصالحين فكيف عوقبوا‏؟‏

قلت قد علمت أن هذا عقاب دنيوي وهو ينال الصالحين ويسمى عند الصوفية بالعتاب وهو لا ينافي الكرامة، ونظيره أن موسى سأل رؤية ربه فتجلى الله للجبل فجعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك‏.‏

فإن قلت إن الموت يقتضي انحلال التركيب المزاجي فكيف يكون البعث بعده في غير يوم إعادة الخلق‏؟‏

قلت‏:‏ الموت هو وقوف حركة القلب وتعطيل وظائف الدورة الدموية فإذا حصل عن فساد فيها لم تعقبه حياة إلا في يوم إعادة الخلق وهو المعنى بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 56‏]‏ وإذا حصل عن حادث قاهر مانع وظائف القلب من عملها كان للجسد حكم الموت في تلك الحالة لكنه يقبل الرجوع إن عادت إليه أسباب الحياة بزوال الموانع العارضة، وقد صار الأطباء اليوم يعتبرون بعض الأحوال التي تعطل عمل القلب اعتبار الموت ويعالجون القلب بأعمال جراحية تعيد إليه حركته‏.‏ والموت بالصاعقة إذا كان عن اختناق أو قوة ضغط الصوت على القلب قد تعقبه الحياة بوصول هواء صاف جديد وقد يطول زمن هذا الموت في العادة ساعات قليلة ولكن هذا الحادث كان خارق عادة فيمكن أن يكون موتهم قد طال يوماً وليلة كما روي في بعض الأخبار ويمكن دون ذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏57‏]‏

‏{‏وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏(‏57‏)‏‏}‏

عطف ‏{‏وظللنا‏}‏ على ‏{‏بعثناكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 56‏]‏‏.‏ وتعقيب ذكر الوحشة بذكر جائزة شأن الرحيم في تربية عبده، والظاهر أن تظليل الغمام ونزول المن والسلوى كان قبل سؤالهم رؤية الله جهرة لأن التوراة ذكرت نزول المن والسلوى حين دخولهم في برية سين بين إيليم وسينا في اليوم الثاني عشر من الشهر الثاني من خروجهم من مصر حين اشتاقوا أكل الخبز واللحم لأنهم في رحلتهم ما كانوا يطبخون بل الظاهر أنهم كانوا يقتاتون من ألبان مواشيهم التي أخرجوها معهم ومما تنبته الأرض‏.‏ وأما تظليلهم بالغمام فالظاهر أنه وقع بعد أن سألوا رؤية الله لأن تظليل الغمام وقع بعد أن نصب لهم موسى خيمة الاجتماع محل القرابين ومحل مناجاة موسى وقبلة الداعين من بني إسرائيل في برية سينا فلما تمت الخيمة سنة اثنتين من خروجهم من مصر غطت سحابة خيمة الشهادة ومتى ارتفعت السحابة عن الخيمة فذلك إذن لبني إسرائيل بالرحيل فإذا حلت السحابة حلوا إلخ كذا تقول كتبهم‏.‏ فلما سأل بنو إسرائيل الخبز واللحم كان المن ينزل عليهم في الصباح والسلوى تسقط عليهم في المساء بمقدار ما يكفي جميعهم ليومه أو ليلته إلا يوم الجمعة فينزل عليهم منهما ضعف الكمية لأن في السبت انقطاع النزول‏.‏

والمن مادة صمغية جوية ينزل على شجر البادية شبه الدقيق المبلول، فيه حلاوة إلى الحموضة ولونه إلى الصفرة ويكثر بوادي تركستان وقد ينزل بقلة غيرها ولم يكن يعرف قبل في برية سينا‏.‏ وقد وصفته التوراة بأنه دقيق مثل القشور يسقط ندى كالجليد على الأرض وهو مثل بزر الكزبرة أبيض وطعمه كرقاق بعسل وسمته بنو إسرائيل منا، وقد أمروا أن لا يبقوا منه للصباح لأنه يتولد فيه دود وأن يلتقطوه قبل أن تحمى الشمس لأنها تذيبه فكانوا إذا التقطوه طحنوه بالرحا أو دقوه بالهاون وطبخوه في القدور وعملوه ملات وكان طعمه كطعم قطائف بزيت وأنهم أكلوه أربعين سنة حتى جاءوا إلى طرف أرض كنعان يريد إلى حبرون‏.‏

وأما السلوى فهي اسم جنس جمعي واحدته سلواة وقيل‏:‏ لا واحد له وقيل‏:‏ واحده وجمعه سواء، وهو طائر بري لذيذ اللحم سهل الصيد كانت تسوقه لهم ريح الجنوب كل مساء فيمسكونه قبضاً ويسمى هذا الطائر أيضاً السمانى بضم السين وفتح الميم مخففة بعدها ألف فنون مقصور كحبارى، وهو أيضاً اسم يقع للواحد والجمع، وقيل‏:‏ هو الجمع وأما الفرد فهو سماناة‏.‏

وقوله‏:‏ كلوا من طيبات ما رزقناكم مقول قول محذوف لأن المخاطبين حين نزول القرآن لم يؤمروا بذلك فدل على أنه من بقية الخبر عن أسلافهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وما ظلمونا‏}‏ قدره صاحب «الكشاف» معطوفاً على مقدر أي فظلموا وقرره شارحوه بأن ‏(‏ما ظلمونا‏)‏ نفي لظلم متعلق بمفعول معين وهو ضمير الجلالة وهذا النفي يفيد في المقام الخطابي أن هنالك ظلماً متعلقاً بغير هذا المنصوب إذ لو لم يكن الظلم واقعاً لنفى مطلقاً بأن يقال‏:‏ وما ظلموا وليس المعنى عليه، وأنه إنما قدر في «الكشاف» الفعل المحذوف مقترناً بالفاء لأن الفاء في عطف الجمل تفيد مع الترتيب والتعقيب معنى السببية غالباً، فتكون الجملة المعطوفة متسببة عن الجملة المعطوف عليها فشبه وقوع ظلمهم حين كفروا النعمة عقب الإحسان بترتب المسبب على السبب في الحصول بلا ريثثٍ وبدون مراقبة ذلك الإحسان حتى كأنهم يأتون بالظلم جزاء للنعمة، ورمز إلى لفظ المشبه به برديفه وهو فاء السببية وقرينة ذلك ما يعلمه السامع من أن الظلم لا يصلح لأن يكون مسبباً عن الإنعام على حد قولك أحسنتُ إلى فلان فأساء إليَّ وقوله تعالى‏:‏

‏{‏وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 82‏]‏ أي تجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون فالفاء مجاز لغير الترتب على أسلوب قولك‏:‏ أنعمَتُ عليه فكفر‏.‏ ولك أن تقول إن أصل معنى الفاء العاطفة الترتيب والتعقيب لا غير وهو المعنى الملازم لها في جميع مواقع استعمالها فإن الاطراد من علامات الحقيقة‏.‏ وأما الترتب أي السببية فأمر عارض لها فهومن المجاز أو من مستتبعات التراكيب ألا ترى أنه يوجد تارة ويتخلف أخرى فإنه مفقود في عطف المفردات نحوجاء زيد فعمرو وفي كثير من عطف الجمل نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لقد كنتَ في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 22‏]‏ فلذلك كان معنى السببية حيثما استفيد محتاجاً إلى القرائن فإن لم تتطلب له علاقة قلت هو من مستتبعات تراكيب بقرينة المقام وإن تطلبت له علاقة وهي لا تعوزك قلت هو مجاز لأن أكثر الأمور الحاصلة عقب غيرها يكون موجب التعقيب فيها هو السببية ولو عرفا ولو ادعاء فليس خروج الفاء عن الترتب هو المجاز بل الأمر بالعكس‏.‏

ومما يدل على أن حقيقة الفاء العاطفة هو الترتيب والتعقيب فقط أن بعض البيانيين جعلوا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًّا‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 8‏]‏ اللامَ فيه مستعارة لمعنى فاء التعقيب أي فكان لهم عدوًّا فجعلوا الفاء حقيقة في التعقيب ولو كانت للترتيب لساوت اللام فلم تستقم الاستعارة فيكون الوجه الحامل للزمخشري على تقدير المحذوف مقترناً بالفاء هو أنه رأى عطف الظلم على ‏{‏وظللنا عليكم الغمام‏}‏ وما بعده بالواو ولا يحسن لعدم الجهة الجامعة بين الامتنان والذم والمناسبةُ شرط في قبول الوصل بالواو بخلاف العطف بالفاء، فتعين إما تقدير ظلموا مستأنفاً بدون عطف وظاهر أنه ليس هنالك معنى على الاستئناف وإما ربط ظلموا بعاطف سوى الواو وليس يصلح هنا غير الفاء لأن المعطوف حصل عقب المعطوف عليه فكان ذلك التعاقب في الخارج مغنياً عن الجهة الجامعة ولذلك كانت الفاء لا تستدعي قوة مناسبة كمناسبة الواو ولكن مناسبة في الخيال فقط وقد وجدت هنا لأن كون المعطوف حصل في الخارج عقب المعطوف عليه مما يجعله حاضراً في خيال الذي يتكلم عن المعطوف عليه، وأما قبح نحو قولك جاء زيد فصاح الديك فلقلة جدوى هذا الخبر ألا تراه يصير حسناً لو أردت بقولك فصاح الديك معنى التوقيت بالفجر فبهذا ظهر أنه لم يكن طريق لربط الظلم المقدر بالفعلين قبله إلا الفاء‏.‏

6

وفي ذلك الإخبار والربط والتصدي لبيانه مع غرابة هذا التعقيب تعريض بمذمتهم إذ قابلوا الإحسان بالكفران وفيه تعريض بغباوتهم إذ صدَفوا عن الشكر كأنهم ينكون بالمنعم وهم إنما يوقعون النكاية بأنفسهم، هذا تفصيل ما يقال على تقدير صاحب «الكشاف»‏.‏

والذي يظهر لي أن لا حاجة إلى التقدير وأن جملة ‏{‏وما ظلمونا‏}‏ عطف على ما قبلها لأنها مثلها في أنها من أحوال بني إسرائيل ومثار ذكر هذه الجملة هو ما تضمنته بعض الجمل التي سبقت من أن ظلماً قد حصل منهم من قوله‏:‏ ‏{‏ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 51‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 54‏]‏ وما تضمنه قوله‏:‏ ‏{‏فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 55‏]‏ الدال على أن ذلك عذاب جروه إلى أنفسهم فأتى بهذه الجملة كالفذلكة لما تضمنته الجمل السابقة نظير قوله‏:‏ ‏{‏وما يخادعون إلا أنفسهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 9‏]‏ عقب قوله‏:‏ ‏{‏يخادعون الله والذين آمنوا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 9‏]‏ ونظير قوله‏:‏ ‏{‏وظلموا أنفسهم‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 19‏]‏ بعد الكلام السابق وهو قوله‏:‏ ‏{‏وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 18‏]‏ الآية‏.‏

وغير الأسلوب في هذه الجملة إذ انتقل من خطاب بني إسرائيل إلى الحديث عنهم بضمير الغيبة لقصد الاتعاظ بحالهم وتعريضاً بأنهم متمادون على غيهم وليسوا مستفيقين من ضلالهم فهم بحيث لا يقرون بأنهم ظلموا أنفسهم‏.‏ وهذا الظلم الذي قدر في نظم الآية هو ضجرهم من مداومة أكل المن والسلوى الذي سيأتي ذكره بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 61‏]‏ الآية فكان قوله‏:‏ ‏{‏وما ظلمونا‏}‏ تمهيداً له وتعجيلاً بتسجيل قلة شكرهم على نعم الله وعنايته بهم إذ كانت شكيمتهم لم تلينها الزواجر ولا المكارم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولكن كانوا أنفسهم يظلمون‏}‏ قدم فيه المفعول للقصر وقد حصل القصر أولاً بمجرد الجمع بين النفي والإثبات ثم أكد بالتقديم لأن حالهم كحال من ينكي غيره كما قيل‏:‏ يفعل الجاهل بنفسه ما يفعل العدو بعدوه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏58- 59‏]‏

‏{‏وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏58‏)‏ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ‏(‏59‏)‏‏}‏

هذا تذكير بنعمة أخرى مكنوا منها فما أحسنوا قبولها ولا رعوها حق رعايتها فحرموا منها إلى حين وعوقب الذين كانوا السبب في عدم قبولها‏.‏ وفي التذكير بهذه النعمة امتنان عليهم ببذل النعمة لهم لأن النعمة نعمة وإن لم يقبلها المنعم عليه، وإثارة لحسرتهم على ما فات أسلافهم وما لقوه من جراء إعجابهم بآرائهم، وموعظة لهم أن لا يقعوا فيما وقع فيه الأولون فقد علموا أنهم كلما صدفوا عن قدر حق النعم نالتهم المصائب‏.‏ قال الشيخ ابن عطاء الله‏:‏ من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها‏.‏

ولعلم المخاطبين بما عنته هذه الآية اختصر فيها الكلام اختصاراً ترك كثيراً من المفسرين فيها حيارى، فسلكوا طرائق في انتزاع تفصيل المعنى من مجملها فما أتوا على شيء مقنع، وكنت تجد أقوالهم هنا إذا التأم بعضها بنظم الآية لا يلتئم بعضه الآخر، وربما خالف جميعها ما وقع في أيام أخر‏.‏

والذي عندي من القول في تفسير هاته الآية أنها أشارت إلى قصة معلومة تضمنتها كتبهم وهي أن بني إسرائيل لما طوحت بهم الرحلة إلى برية فاران نزلوا بمدينة قادش فأصبحوا على حدود أرض كنعان التي هي الأرض المقدسة التي وعدها الله بني إسرائيل وذلك في أثناء السنة الثانية بعد خروجهم من مصر فأرسل موسى اثني عشر رجلاً ليتجسسوا أرض كنعان من كل سبط رجل وفيهم يوشع بن نون وكالب بن بفنة فصعدوا وأتوا إلى مدينة حبرون فوجدوا الأرض ذات خيرات وقطعوا من عنبها ورمانها وتينها ورجعوا لقومهم بعد أربعين يوماً وأخبروا موسى وهارون وجميع بني إسرائيل وأروهم ثمر الأرض وأخبروهم أنها حقاً تفيض لبناً وعسلاً غير أن أهلها ذوو عزة ومدنها حصينة جداً فأمر موسى كالباً فأنصت إسرائيل إلى موسى وقال إننا نصعد ونمتلكها وكذلك يوشع أما العشرة الآخرون فأشاعوا في بني إسرائيل مذمة الأرض وأنها تأكل سكانها وأن سكانها جبابرة فخافت بنو إسرائيل من سكان الأرض وجبنوا عن القتال فقام فيهم يوشع وكالب قائلين لا تخافوا من العدو فإنهم لقمة لنا والله معنا، فلم يصغ القوم لهم وأوحى الله لموسى أن بني إسرائيل أساءوا الظن بربهم وأنه مهلكهم فاستشفع لهم موسى فعفا الله عنهم ولكنه حرمهم من الدخول إلى الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون فلا يدخل لها أحد من الحاضرين يومئذ إلا يوشعاً وكالباً وأرسل الله على الجواسيس العشرة المثبطين وباء أهلكهم‏.‏

فهذه الآية تنطبق على هذه القصة تمام الانطباق لا سيما إذا ضمت لها آية سورة ‏[‏المائدة‏:‏ 21، 25‏]‏ ‏{‏يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم إلى قوله الفاسقين‏}‏

فقوله‏:‏ ادخلوا هذه القرية‏}‏ الظاهر أنه أراد بها «حبرون» التي كانت قريبة منهم والتي ذهب إليها جواسيسهم وأتوا بثمارها، وقيل‏:‏ أراد من القرية الجهة كلها قاله القرطبي عن عمرو بن شبة فإن القرية تطلق على المزرعة لكن هذا يبعده قوله‏:‏ ‏{‏وادخلوا الباب‏}‏ وإن كان الباب يطلق على المدخل بين الجبلين وكيفما كان ينتظم ذلك مع قوله‏:‏ ‏{‏فكلوا منها حيث شئم رغداً‏}‏ يشير إلى الثمار الكثيرة هناك‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم‏}‏ يتعين أنه إشارة إلى ما أشاعه الجواسيس العشرة من مذمة الأرض وصعوبتها وأنهم لم يقولوا مثل ما قال موسى حيث استنصت الشعب بلسان كالب بن بَفُنَّة ويوشع ويدل لذلك قوله تعالى في سورة الأعراف ‏(‏162‏)‏ ‏{‏فبدل الذين ظلموا منهم قولاً‏}‏ أي من الذين قيل لهم ادخلوا القرية وأن الرجز الذي أصاب الذين ظلموا هو الوباء الذي أصاب العشرة الجواسيس، وينتظم ذلك أيضاً مع قوله في آية المائدة ‏(‏21، 22‏)‏ ‏{‏ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين‏}‏ قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين إلخ وقوله‏:‏ ‏{‏قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 23‏]‏ فإن الباب يناسب القرية‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏قال فإنها محرمة عليهم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 26‏]‏‏.‏ فهذا هو التفسير الصحيح المنطبق على التاريخ الصريح‏.‏

فقوله‏:‏ ‏{‏وإذ قلنا‏}‏ أي على لسان موسى فبلغه للقوم بواسطة استنصات كالب بن بَفُنَّة، وهذاهو الذي يوافق ما في سورة العقود في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم‏}‏ الآيات‏.‏ وعلى هذا الوجه فقوله‏:‏ ‏{‏ادخلوا‏}‏ إما أمر بدخول قرية قريبة منهم وهي «حبرون» لتكون مركزاً أولاً لهم، والأمر بالدخول أمر بما يتوقف الدخول عليه أعني القتال كما دلت عليه آية المائدة إذ قال‏:‏ ‏{‏ادخلوا الأرض المقدسة‏}‏ إلى قوله ‏{‏ولا ترتدوا على أدباركم‏}‏ فإن الارتداد على الأدبار من الألفاظ المتعارفة في الحروب كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تولوهم الأدبار‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 15‏]‏‏.‏ ولعل في الإشارة بكلمة ‏{‏هذه‏}‏ المفيدة للقرب ما يرجح أن القرية هي حبرون التي طلع إليها جواسيسهم‏.‏

والقرية بفتح القاف لا غير على الأصح البلدة المشتملة على المساكن المبنية من حجارة وهي مشتقة من القَرْي بفتح فسكون وبالياء وهو الجمع يقال‏:‏ قَرى الشيء يَقريه إذا جمعه وهي تطلق على البلدة الصغيرة وعلى المدينة الكبيرة ذات الأسوار والأبواب كما أريد بها هنا بدليل قوله‏:‏ ‏{‏وادخلوا الباب سجداً‏}‏‏.‏ وجمع القرية قُرى بضم القاف على غير قياس لأن قياس فُعَل أن يكون جمعاً لِفعْلة بكسر الفاء مثل كسوة وكُسى وقياس جمع قرية أن يكون على قِراء بكسر القاف وبالمد كما قالوا‏:‏ رَكوة وركاء وشكوة وشكاء‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وادخلوا الباب سجداً‏}‏ مراد به باب القرية لأن أل متعينة للعوضية عن المضاف إليه الدال عليه اللفظ المتقدم‏.‏

ومعنى السجود عند الدخول الانحناء شكراً لله تعالى لا لأن بابها قصير كما قيل، إذ لا جدوى له‏.‏ والظاهر أن المقصود من السجود مطلق الانحناء لإظهار العجز والضعف كيلا يفطن لهم أهل القرية وهذا من أحوال الجوسسة، ولم تتعرض لها التوراة ويبعد أن يكون السجود المأمور به سجود الشكر لأنهم داخلون متجسسين لا فاتحين وقد جاء في الحديث الصحيح أنهم بدلوا وصية موسى فدخلوا يزحفون على استاهم كأنهم أرادوا إظهار الزمانة فأفرطوا في التصنع بحيث يكاد أن يفتضح أمرهم لأن بعض التصنع لا يستطاع استمراره‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وقولوا حطة‏}‏ الحطة فعلة من الحط وهو الخفض وأصل الصيغة أن تدل على الهيئة ولكنها هنا مراد بها مطلق المصدر، والظاهر أن هذا القول كان معروفاً في ذلك المكان للدلالة على العجز أو هو من أقوال السُّؤَّال والشحاذين كيلا يحسب لهم أهل القرية حساباً ولا يأخذوا حذراً منهم فيكون القول الذي أمروا به قولاً يخاطبون به أهل القرية‏.‏

وقيل‏:‏ المراد من الحطة سؤال غفران الذنوب أي حط عنا ذنوبنا أي اسألوا الله غفران ذنوبكم إن دخلتم القرية‏.‏ وقيل‏:‏ من الحط بمعنى حط الرحال أي إقامة أي ادخلوا قائلين إنكم ناوون الإقامة بها إذ الحرب ودخول ديار العدو يكون فتحاً ويكون صلحاً ويكون للغنيمة ثم الإياب‏.‏ وهذان التأويلان بعيدان ولأن القراءة بالرفع وهي المشهورة تنافي القول بأنها طلب المغفرة لأن المصدر المراد به الدعاء لا يرتفع على معنى الإخبار نحو سَقياً ورعياً وإنما يرتفع إذا قصد به المدح أو التعجب لقربهما من الخبر دون الدعاء ولا يستعمل الخبر في الدعاء إلا بصيغة الفعل نحو رحمه الله ويرحمه الله‏.‏

و ‏(‏حطة‏)‏ بالرفع على أنه مبتدأ أو خبر نحو سمعٌ وطاعة وصبرٌ جميل‏.‏

والخطايا جمع خطيئة ولامها مهموزة فقياس جمعها خطائِيء بهمزتين بوزن فعائل فلما اجتمعت الهمزتان قلبت الثانية ياء لأن قبلها كسرة أو لأن في الهمزتين ثِقلاً فخففوا الأخيرة منهما ياء ثم قلبوها ألفاً إما لاجتماع ثقل الياء مع ثقل صيغة الجمع وإما لأنه لما أشبه جائي استحق التخفيف ولكنهم لم يعاملوه معاملة جائي لأن همزة جائي زائدة وهمزة خطائيء أصلية ففروا بتخفيفه إلى قلب الياء ألفاً كما فعلوا في يتامى ووجدوا له في الأسماء الصحيحة نظيراً وهو طَهارَى جمع طَاهرة‏.‏ والخطيئة فعيلة بمعنى مفعولة لأنها مخطوء بها أي مسلوك بها مسلك الخطأ أشاروا إلى أنها فعل يحق أن لا يقع فيه فاعله إلا خطأ فهي الذنب والمعصية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وسنزيد المحسنين‏}‏ وعد بالزيادة من خيري الدنيا والآخرة ولذلك حذف مفعول ‏(‏نزيد‏)‏‏.‏ والواو عاطفة جملة ‏{‏سنزيد‏}‏ على جملة ‏{‏قلنا ادخلوا‏}‏ أي وقلنا سنزيد المحسنين؛ لأن جملة ‏{‏سنزيد‏}‏ حكيت في سورة الأعراف ‏(‏161‏)‏ مستأنفة فعلم أنها تعبر عن نظير لها في الكلام الذي خاطب الله به موسى على معنى الترقي في التفضل فلما حكيت هنا عطفت عطف القول على القول‏.‏

وقوله‏:‏ فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم‏}‏ أي بدل العشرة القول الذي أمر موسى بإعلانه في القوم وهو الترغيب في دخول القرية وتهوين العدو عليهم فقالوا لهم‏:‏ لا تستطيعون قتالهم وثبطوهم ولذلك عوقبوا فأنزل عليهم رجز من السماء وهو الطاعون‏.‏ وإنما جعل من السماء لأنه لم يكن له سبب أرضي من عدوَى أو نحوها فعلم أنه رمتهم به الملائكة من السماء بأن ألقيت عناصره وجراثيمه عليهم فأصيبوا به دون غيرهم‏.‏ ولأجل هذا خص التبديل بفريق معروف عندهم فعبر عنه بطريق الموصولية لعلم المخاطبين به وبتلك الصلة فدل على أن التبديل ليس من فعل جميع القوم أو معظمهم لأن الآية تذكير لليهود بما هو معلوم لهم من حوادثهم‏.‏

وإنما جاء بالظاهر في موضع المضمر في قوله‏:‏ ‏{‏فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً‏}‏ ولم يقل عليهم لئلا يتوهم أن الرجز عم جميع بني إسرائيل وبذلك تنطبق الآية على ما ذكرته التوراة تمام الانطباق‏.‏

وتبديل القول تبديل جميع ما قاله الله لهم وما حدثهم الناس عن حال القرية، وللإشارة إلى جميع هذا بني فعل ‏{‏قيل‏}‏ إلى المجهول إيجازاً‏.‏ فقولاً مفعول أو لبدَّل، و‏{‏غير الذي قيل‏}‏ مفعول ثان لأن ‏(‏بدل‏)‏ يتعدى إلى مفعولين من باب كسى أي مما دل على عكس معنى كسى مثل سلَبه ثوبه‏.‏ قال أبو الشيص‏:‏

بُدِّلْتُ من بُرْد الشباب ملاءة *** خَلَقاً وبئس مثوبة المقتاض

وفائدة إظهار لفظ القول دون أن يقال فبدلوه لدفع توهم أنهم بدلوا لفظ حطة خاصة وامتثلوا ما عدا ذلك لأنه لو كان كذلك لكان الأمر هيناً‏.‏ يوقد ورد في الحديث عن أبي هريرة أن القول الذي بدَّلوا به أنهم قالوا‏:‏ حبة في شَعَرة أو في شعيرة، والظاهر أن المراد به أن العشرة استهزؤا بالكلام الذي أعلنه موسى عليه السلام في الترغيب في فتح الأرض وكنوا عن ذلك بأن محاولتهم فتح الأرض كمحاولة ربط حبة بشَعَرة أي في التعذر، أو هو كأكل حبة مع شَعَرة تخنق آكلها، أو حَبَّة من بُرّ مع شعيرة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فبدل الذين ظلموا‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فأنزلنا على الذين ظلموا‏}‏ اعتنى فيهما بالإظهار في موضع الإضمار ليعلم أن الرجز خص الذين بدَّلوا القول وهم العشرة الذين أشاعوا مذمة الأرض لأنهم كانوا السبب في شقاء أمة كاملة‏.‏ وفي هذا موعظة وذكرى لكل من ينصب نفسه لإرشاد قوم ليكون على بصيرة بما يأتي ويذر وعلم بعواقب الأمور فمن البر ما يكون عقوقاً، وفي المثل «على أهلها تجني براقش» وهي اسم كلبة قوم كانت تحرسهم بالليل فدل نبحها أعداءهم عليهم فاستأصلوهم فضربت مثلاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏60‏]‏

‏{‏وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ‏(‏60‏)‏‏}‏

تذكير بنعمة أخرى جمعت ثلاث نعم وهي الري من العطش، وتلك نعمة كبرى أشد من نعمة إعطاء الطعام ولذلك شاع التمثيل بري الظمآن في حصول المطلوب‏.‏ وكون السقي في مظنة عدم تحصيله وتلك معجزة لموسى وكرامة لأمته لأن في ذلك فضلاً لهم‏.‏ وكون العيون اثنتي عشرة ليستقل كل سبط بمشرب فلا يتدافعوا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وإذ‏}‏ متعلق ب ‏{‏اذكروا‏}‏ وقد أشارت الآية إلى حادثة معروفة عند اليهود وذلك أنهم لما نزلوا في «رفيديم» قبل الوصول إلى برية سينا وبعد خروجهم من برية سين في حدود الشهر الثالث من الخروج عطشوا ولم يكن بالموضع ماء فتذمروا على موسى وقالوا أتصعدنا من مصر لنموت وأولادنا ومواشينا عطشاً فدعا موسى ربه فأمره الله أن يضرب بعصاه صخرة هناك في «حوريب» فضرب فانفجر منها الماء‏.‏ ولم تذكر التوراة أن العيون اثنتا عشرة عيناً وذلك التقسيم من الرفق بهم لئلا يتزاحموا مع كثرتهم فيهلكوا فهذا مما بينه الله في القرآن‏.‏

فقوله‏:‏ ‏{‏استسقى موسى‏}‏ صريح في أن طالب السقي هو موسى وحده، سأله من الله تعالى ولم يشاركه قومه في الدعاء لتظهر كرامته وحده، كذلك كان استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على المنبر لما قال له الأعرابي «هلك الزرع والضرع فادع الله أن يسقينا» والحديث في «الصحيحين»‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لقومه‏}‏ مؤذن بأن موسى لم يصبه العطش وذلك لأنه خرج في تلك الرحلة موقناً أن الله حافظهم ومبلغهم إلى الأرض المقدسة فلذلك وقاه الله أن يصيبه جوع أو عطش وكلل وكذلك شأن الأنبياء فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث وصال الصوم‏:‏ ‏"‏ إني لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ‏"‏

قال ابن عرفة في «تفسيره» أخذ المازري من هذه الآية جواز استسقاء المخصب للمجدب لأن موسى عليه السلام لم ينله ما نالهم من العطش ورده ابن عرفة بأنه رسولهم وهو معهم اه‏.‏ وهو رد متمكن إذ ليس المراد باستسقاء المخصب للمجدب الأشخاص وإنما المراد استسقاء أهل بلد لم ينلهم الجدب لأهل بلد مجدبين والمسألة التي أشار إليها المازري مختلف فيها عندنا واختار اللخمي جواز استسقاء المخصب للمجدب لأنه من التعاون على البر ولأن دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة وقال المازري فيه نظر لأن السلف لم يفعلوه‏.‏

وعصا موسى هي التي ألقاها في مجلس فرعون فتلقفت ثعابين السحرة وهي التي كانت في يد موسى حين كلمه الله في برية سينا قبل دخوله مصر وقد رويت في شأنها أخبار لا يصح منها شيء فقيل إنها كانت من شجر آس الجنة أهبطها آدم معه فورثها موسى ولو كان هذا صحيحاً لعده موسى في أوصافها حين قال‏:‏

‏{‏هي عصاي‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 18‏]‏ إلخ فإنه أكبر أوصافها‏.‏

والعصا بالقصر أبداً ومن قال عصاه بالهاء فقد لحن، وعن الفراء أن أول لحن ظهر بالعراق قولهم عصاتي‏.‏

و ‏(‏أل‏)‏ في ‏(‏الحجر‏)‏ لتعريف الجنس أي اضرب أي حجر شئت، أو للعهد مشيراً إلى حجر عرفه موسى بوحي من الله وهوحجر صخر في جبل حوريب الذي كلم الله منه موسى كما ورد في سفر الخروج وقد وردت فيه أخبار ضعيفة‏.‏

والفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فانفجرت‏}‏ قالوا هي فاء الفصيحة ومعنى فاء الفصيحة أنها الفاء العاطفة إذ لم يصلح المذكور بعدها لأن يكون معطوفاً على المذكور قبلها فيتعين تقدير معطوف آخر بينهما يكون ما بعد الفاء معطوفاً عليه وهذه طريقة السكاكي فيها وهي المثلى‏.‏ وقيل‏:‏ إنها التي تدل على محذوف قبلها فإن كان شرطاً فالفاء فاء الجواب وإن كان مفرداً فالفاء عاطفة ويشملها اسم فاء الفصيحة وهذه طريقة الجمهور على الوجهين فتسميتها بالفصيحة لأنها أفصحت عن محذوف، والتقدير في مثل هذا فضرب فانفجرت وفي مثل قول عباس بن الأحنف‏:‏

قالوا خراسانُ أقصى ما يراد بنا *** ثم القفول فقد جئنا خراسانا

أي إن كان القفول بعد الوصول إلى خراسان فقد جئنا خراسان أي فلنقفل فقد جئنا‏.‏

وعندي أن الفاء لا تعد فاء فصيحة إلا إذا لم يستقم عطف ما بعدها على ما قبلها فإذا استقام فهي الفاء العاطفة والحذف إيجاز وتقدير المحذوف لبيان المعنى وذلك لأن الانفجار مترتب على قوله تعالى لموسى‏:‏ ‏{‏اضرب بعصاك الحجر‏}‏ لظهور أن موسى ليس ممن يشك في امتثاله بل ولظهور أن كل سائل أمراً إذا قيل له افعل كذا أن يعلم أن ما أمر به هو الذي فيه جوابه كما يقول لك التلميذ ما حكم كذا‏؟‏ فتقول افتح كتاب «الرسالة» في باب كذا، ومنه قوله تعالى الآتي‏:‏ ‏{‏اهبطوا مصراً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 61‏]‏ وأماتقدير الشرط هنا أي فإن ضربت فقد انفجرت إلخ فغير بيّن، ومن العجب ذكره في «الكشاف»‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏قد علم كل أناس مشربهم‏}‏ قال العكبري وأبو حيان‏:‏ إنه استئناف، وهما يريدان الاستئناف البياني ولذلك فصل، كأن سائلاً سأل عن سبب انقسام الانفجار إلى اثنتي عشرة عيناً فقيل قد علم كل سبط مشربهم، والأظهر عندي أنه حال جردت عن الواو لأنه خطاب لمن يعقلون القصة فلا معنى لتقدير سؤال‏.‏ والمراد بالأناس كل ناس سبط من الأسباط‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كلوا واشربوا من رزق الله‏}‏ مقول قول محذوف‏.‏ وقد جمع بين الأكل والشرب وإن كان الحديث على السقي لأنه قد تقدمه إنزال المن والسلوى، وقيل هنالك‏:‏ ‏{‏كلوا من طيبات ما رزقناكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 57‏]‏ فلما شفع ذلك بالماء اجتمع المنتان‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تعثوا في الأرض مفسدين‏}‏ من جملة ما قيل لهم ووجه النهي عنه أن النعمة قد تنسي العبد حاجته إلى الخالق فيهجر الشريعة فيقع في الفساد قال تعالى‏:‏

‏{‏كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 6، 7‏]‏‏.‏

‏{‏ولا تعثوا‏}‏ مضارع عثي كرضي، وهذه لغة أهل الحجاز وهي الفصحى فقوله‏:‏ ‏{‏ولا تعثوا‏}‏ بوزن لا ترضوا ومصدره عند أهل اللغة يقتضي أن يكون بوزن رضي ولم أر من صرح به وذكر له في «اللسان» مصادر العُثيّ والعِثيّ بضم العين وكسرها مع كسر الثاء فيهما وتشديد الياء فيهما، والعَثَيان بفتحتين وفي لغة غير أهل الحجاز عثا يعثو مثل سما يسمو ولم يقرأ أحد من القراء‏:‏ ‏{‏ولا تعثوا‏}‏ بضم الثاء‏.‏

وهو أشد الفساد وقيل‏:‏ هو الفساد مطلقاً وعلى الوجهين يكون ‏{‏مفسدين‏}‏ حالاً مؤكدة لعاملها‏.‏ وفي «الكشاف» جعل معنى ‏{‏لا تعثوا‏}‏ لا تتمادوا في فسادكم فجعل المنهي عنه هو الدوام على الفعل وكأنه يأبى صحة الحال المؤكدة للجملة الفعلية فحاول المغايرة بين ‏{‏لا تعثوا‏}‏ وبين ‏{‏مفسدين‏}‏ تجنباً للتأكيد وذلك هو مذهب الجمهور لكن كثيراً من المحققين خالف ذلك، واختار ابن مالك التفصيل فإن كان معنى الحال هومعنى العامل جعلها شبيهة بالمؤكدة لصاحبها كما هنا وخص المؤكدة لمضمون الجملة الواقعة بعد الاسمية نحو زيد أبوك عطوفاً وقول سالم بن دارة اليربوعي‏:‏

أنا ابن دارة معروفاً بها نسبي *** وهل بدارة يا للناس من عار

تفسير الآية رقم ‏[‏61‏]‏

‏{‏وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ‏(‏61‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذى هُوَ أدنى بالذى هُوَ خَيْرٌ اهبطوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ‏}‏

هي معطوفة على الجمل قبلها بأسلوب واحد، وإسناد القول إلى ضمير المخاطبين جار على ما تقدم في نظائره وما تضمنته الجمل قبلها هو من تعداد النعم عليهم محضة أو مخلوطة بسوء شكرهم وبترتب النعمة على ذلك الصنيع بالعفو ونحوه كما تقدم، فالظاهر أن يكون مضمون هذه الجملة نعمة أيضاً‏.‏

وللمفسرين حيرة في الإشارة إليها فيؤخذ من كلام الفخر أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم‏}‏ هو كالإجابة لما طلبوه يعني والإجابة إنعام ولو كان معلقاً على دخول قرية من القرى، ولا يخفى أنه بعيدجداً لأن إعطاءهم ما سألوه لم يثبت وقوعه‏.‏ ويؤخذ من كلام المفسرين الذي صدر الفخر بنقله ووجهه عبد الحكيم أن سؤالهم تعويض المن والسلوى بالبقل ونحوه معصية لما فيه من كراهة النعمة التي أنعم الله بها عليهم إذ عبروا عن تناولها بالصبر والصبر هو حمل النفس على الأمر المكروه ويدل لذلك أنه أنكر عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏أتستبدلون الذي هو أدنى‏}‏ فيكون محل النعمة هو الصفح عن هذا الذنب والتنازع معهم إلى الإجابة بقوله‏:‏ ‏{‏اهبطوا‏}‏ ولا يخفى أن هذا بعيد إذ ليس في قوله ‏{‏اهبطوا‏}‏ إنعام عليهم ولا في سؤالهم ما يدل على أنهم عصوا لأن طلب الانتقال من نعمة لغيرها لغرض معروف لا يعد معصية كما بينه الفخر‏.‏

فالذي عندي في تفسير الآية أنها انتقال من تعداد النعم المعقبة بنعم أخرى إلى بيان سوى اختيارهم في شهواتهم والاختيار دليل عقل اللبيب، وإن كان يختار مباحاً، مع ما في صيغة طلبهم من الجفاء وقلة الأدب مع الرسول ومع المنعم إذ قالوا‏:‏ ‏{‏لن نصبر‏}‏ فعبروا عن تناول المن والسلوى بالصبر المستلزم الكراهية وأتوا بما دل عليه ‏(‏لن‏)‏ في حكاية كلامهم من أنهم لا يتناولون المن والسلوى من الآن فإن ‏(‏لن‏)‏ تدل على استغراق النفي لأزمنة فعل ‏{‏نصبر‏}‏ من أولها إلى آخرها وهو معنى التأبيد وفي ذلك إلجاء لموسى أن يبادر بالسؤال يظنون أنهم أيأسوه من قبول المن والسلوى بعد ذلك الحين فكان جواب الله لهم في هذه الطلبة أن قطع عنايته بهم وأهملهم ووكلهم إلى نفوسهم ولم يُرهم ما عودهم من إنزال الطعام وتفجير العيون بعد فلق البحر وتظليل الغمام بل قال لهم‏:‏ ‏{‏اهبطوا مصراً‏}‏ فأمرهم بالسعي لأنفسهم وكفى بذلك تأديباً وتوبيخاً‏.‏

قال الشيخ ابن عطاء الله رحمه الله‏:‏ من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه فيقول لو كان في هذا إساءة لعوقبت فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر ولو لم يكن إلا منع المزيد، وقد يقام مقام البعد من حيث لا يدري، ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد، والمقصد من هذا أن ينتقل من تعداد النعم إلى بيان تلقيهم لها بالاستخفاف لينتقل من ذلك إلى ذكر انقلاب أحوالهم وأسباب خذلانهم وليس شيء من ذلك بمقتضى كون السؤال معصية فإن العقوبات الدنيوية وحرمان الفضائل ليست من آثار خطاب التكليف ولكنها من أشباه خطاب الوضع ترجع إلى ترتب المسببات على أسبابها وذلك من نواميس نظام العالم وإنما الذي يدل على كون المجزي عليه معصية هو العقاب الأخروي وبهذا زالت الحيرة واندفع كل إشكال وانتظم سلك الكلام‏.‏

وقد أشارت الآية إلى قصة ذكرتها التوراة مجملة منتثرة وهي أنهم لما ارتحلوا من برية سينا من «حوريب» ونزلوا في برية «فاران» في آخر الشهر الثاني من السنة الثانية من الخروج سائرين إلى جهات «حبرون» فقالوا‏:‏ تذكرنا السمك الذي كنا نأكله في مصرمجاناً ‏(‏أي يصطادونه بأنفسهم‏)‏ والقثاء والبطيخ والكراث والبصل والثوم وقد يبست نفوسنا فلا ترى إلا هذا المن فبكَوا فغضب الله عليهم وسأله موسى العفو فعفا عنهم وأرسل عليهم السلوى فادخروا منها طعام شهر كامل‏.‏

والتعبير بلن المفيدة لتأبيد النفي في اللغة العربية لأداء معنى كلامهم المحكي هنا في شدة الضجر وبلوغ الكراهية منهم حدها الذي لا طاقة عنده، فإن التأبيد يفيد استغراق النفي في جميع أجزاء الأبد أولها وآخرها فلن في نفي الأفعال مثل لا التبرئة في نفي النكرات‏.‏

ووصفوا الطعام بواحد وإن كان هو شيئين المن والسلوى لأن المراد أنه متكرر كل يوم‏.‏

وجملة ‏{‏يخرج لنا‏}‏ إلى آخرها هي مضمون ما طلبوا منه أن يدعو به فهي في معنى مقول قول محذوف كأنه قيل قل لربك يخرج لنا ومقتضى الظاهر أن يقال أن يخرج لنا فعدل عن ذلك إلى الإتيان بفعل مجزوم في صورة جواب طلبهم إيماء إلى أنهم واثقون بأنه إن دعا ربه أجابه حتى كأنَّ إخراج ما تنبت الأرض يحصل بمجرد دعاء موسى ربه، وهذا أسلوب تكرر في القرآن مثل قوله‏:‏ ‏{‏قل لعباديَ الذين آمنوا يقيموا الصلاة‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 31‏]‏‏.‏ و‏{‏قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 53‏]‏ وهوكثير فهو بمنزلة شرط وجزاء كأن قيل إن تدعُ ربك بأن يخرجَ لنا يخرجْ لنا، وهذا بتنزيل سبب السبب منزلة السبب فجزم الفعل المطلوب في جواب الأمر بطلبه لله للدلالة على تحقق وقوعه لثقتهم بإجابة الله تعالى دعوة موسى، وفيه تحريض على إيجاد ما علق عليه الجواب كأنه أمر في مكنته فإذا لم يفعل فقد شح عليهم بما فيه نفعهم‏.‏

والإخراج‏:‏ الإبراز من الأرض، و‏(‏من‏)‏ الأولى تبعيضية والثانية بيانية أو الثانية أيضاً تبعيضية لأنهم لا يطلبون جميع البقل بل بعضه، وفيه تسهيل على المسؤول ويكون قوله‏:‏ ‏{‏من بقلها‏}‏ حالاً من ‏(‏ما‏)‏ أو هو بدل من ‏(‏ما تنبت‏)‏ بإعادة حرف الجر، وعن الحسن‏:‏ كانوا قوماً فلاَّحة فنزعوا إلى عكرهم‏.‏

وقد اختلف في الفُوم فقيل‏:‏ هو الثُوم بالمثلثة وإبدال الثاء فاءً شائع في كلام العرب كما قالوا‏:‏ جدث وجدف وثَلَغ وفَلغ، وهذا هو الأظهر والموافق لما عد معه ولما في التوراة‏.‏ وقيل الفوم الحنطة وأنشد الزجاج لأحيحة بن الجلاح‏:‏

قد كنتُ أغنى الناس شخصاً واحداً *** وردَ المدينَة من مزارع فوم

‏(‏يريد مزارع الحنطة‏)‏ وقيل الفوم الحِمَّص بلغة أهل الشام‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير‏}‏ هو من كلام موسى وقيل من كلام الله وهو توبيخ شديد لأنه جرده عن المقنعات وعن الزجر، واقتصر على الاستفهام المقصود منه التعجب فالتوبيخُ‏.‏ وفي الاستبدال للخير بالأدنى النداء بنهاية حماقتهم وسوء اختيارهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أتستبدلون‏}‏ السين والتاء فيه لتأكيد الحدث وليس للطلب فهو كقوله‏:‏ ‏{‏واستغنى الله‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 6‏]‏ وقولهم استجاب بمعنى أجاب، واستكبر بمعنى تكبر، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كان شره مستطيراً‏}‏ في سورة الإنسان ‏(‏7‏)‏‏.‏ وفعل استبدل مشتق من البدل بالتحريك مثل شبَه، ويقال بكسر الباء وسكون الدال مثل شِبْه ويقال بَدِيل مثل شَبيه وقد سمع في مشتقاته استبدل وأبْدَل وبَدَّل وتَبَدَّل وكلها أفعال مزيدة ولم يسمع منه فعل مجرد وكأنهم استغنوا بهذه المزيدة عن المجرد، وظاهر كلام صاحب الكشاف‏}‏ في سورة النساء ‏(‏2‏)‏ عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب‏}‏ أن استبدل هو أصلها وأكثرها وأن تبدل محمول عليه لقوله والتفعل بمعنى الاستفعال غزير ومنه التعجل بمعنى الاستعجال والتأخر بمعنى الاستئخار‏.‏

وجميع أفعال مادة البدل تدل على جعل شيء مكان شيء آخر من الذوات أو الصفات أوعن تعويض شيء بشيء آخر من الذوات أو الصفات‏.‏

ولما كان هذا معنى الحدث المصوغ منه الفعل اقتضت هذه الأفعال تعدية إلى متعلقين إما على وجه المفعولية فيهما معاً مثل تعلق فعل الجَعل، وإما على وجه المفعولية في أحدهما والجر للآخر مثل متعلقي أفعال التعويض كاشترى وهذا هو الاستعمال الكثير، فإذا تعدى الفعل إلى مفعولين نحو ‏{‏يوم تبدل الأرض غير الأرض‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 48‏]‏ كان المفعول الأول هو المزال والثاني هو الذي يخلُفه نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسناتٍ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 70‏]‏ ‏{‏يوم تبدل الأرض غير الأرض‏}‏ وقولهم أبدلت الحَلْقة خاتَما، وإذ تعدت إلى مفعول واحد وتعدت إلى الآخر بالباء وهو الأكثر فالمنصوب هو المأخوذ والمجرور هو المبذول نحو قوله هنا‏:‏ ‏{‏أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير وقوله ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 108‏]‏ وقوله في سورة النساء ‏{‏ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب‏}‏، وقد يجر المعمول الثاني بِمن التي هي بمعنى باء البدلية كقول أبي الشيص‏:‏

بُدِّلْتُ من مُرد الشباب ملاءة *** خَلَقا وبئس مثُوبة المقتاض

وقد يعدل عن تعدية الفعل إلى الشيء المعوض ويعدى إلى آخذ العوض فيصير من باب أعطى فينصب مفعولين وينبه على المتروك بما يدل على ذلك من نحو مِن كذا، وبعد كذا، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 55‏]‏ التقدير ليبدلن خوفهم أمناً هذا تحرير طريق استعمال هذه الأفعال‏.‏

ووقع في «الكشاف» عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب‏}‏ ما يقتضي أن فعل بدل له استعمال غير استعمال فعل استبدل وتبدل بأنه إذا عدي إلى المعمول الثاني بالباء كان مدخول الباء هو المأخوذ وكان المنصوب هو المتروك والمعطى فقرره القطب في «شرحه» بما ظاهره أن بَدَّل لا يكون في معنى تعديته إلا مخالفاً لتبدل واستبدل، وقرره التفتزاني بأن فيه استعمالين إذا تعدى إلى المعمول الثاني بالباء أحدهما يوافق استعمال تبدل والآخر بعكسه، والأظهر عندي أن لا فرق بين بدل وتبدل واستبدل وأن كلام «الكشاف» مُشكل وحسبك أنه لا يوجد في كلام أئمة اللغة ولا في كلامه نفسه في كتاب «الأساس»‏.‏

فالأمر في قوله‏:‏ ‏{‏اهبطوا‏}‏ للإباحة المشوبة بالتوبيخ أي إن كان هذا همكم فاهبطوا بقرينة قوله‏:‏ ‏{‏أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير‏}‏ فالمعنى اهبطوا مصراً من الأمصار يعني وفيه إعراض عن طلبهم إذ ليس حولهم يومئذ بلد قريب يستطيعون وصوله‏.‏ وقيل‏:‏ أراد اهبطوا مصرَ أي بلدَ مصرَ بلدَ القبطِ أي ارجعوا إلى مصر التي خرجتم منها والأمر لمجرد التوبيخ إذ لا يمكنهم الرجوع إلى مصر‏.‏ واعلم أن مصر على هذا المعنى يجوز منعه من الصرف على تأويله بالبقعة فيكون فيه العلمية والتأنيث، ويجوز صرفه على تأويله بالمكان أو لأنه مؤنث ثلاثي ساكن الوسط مثل هِنْد فهو في قراءة ابن مسعود بدون تنوين وأنه في مصحف أبيّ بن كعب بدون ألف وأنه ثبت بدون ألف في بعض مصاحف عثمان قاله ابن عطية، وذكَر أن أشهب قال قال لي مالك‏:‏ هي عندي مصر قريتُك مسكنُ فرعون اه‏.‏ ويكون قول موسى لهم‏:‏ ‏{‏اهبطوا مصراً‏}‏ أمراً قصد منه التهديد على تذكُّرهم أيام ذلهم وعنائهم وتمنيهم الرجوع لتلك المعيشة، كأنه يقول لهم ارجعوا إلى ما كنتم فيه إذ لم تقدُروا قدر الفضائل النفسية ونعمة الحرية والاستقلال‏.‏ وربما كان قوله‏:‏ ‏{‏اهبطوا‏}‏ دون لنهبط مؤذناً بذلك لأنه لا يريد إدخال نفسه في هذا الأمر وهذا يذكر بقول أبي الطيب‏:‏

فإن كان أعجبكم عامُكم *** فعودوا إلى حِمْص في القابل

وقوله‏:‏ ‏{‏فإن لكم ما سألتم‏}‏ الظاهر أن الفاء للتعقيب عطفت جملة ‏{‏إن لكم ما سألتم‏}‏ على جملة ‏{‏اهبطوا‏}‏ للدلالة على حصول سؤلهم بمجرد هبوطهم مصر أو ليست مفيدة للتعليل إذ ليس الأمر بالهبوط بمحتاج إلى التعليل بمثل مضمون هذه الجملة لظهور المقصود من قوله‏:‏ ‏{‏اهبطوا مصراً‏}‏ ولأنه ليس بمقام ترغيب في هذا الهبوط حتى يشجع المأمور بتعليل الأمر والظاهر أن عدم إرادة التعليل هو الداعي إلى ذكر فاء التعقيب لأنه لو أريد التعليل لكانت إن مغنية غناء الفاء على ما صرح به الشيخ عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» في الفصل الخامس والفصل الحادي عشر من فصول شتى في النظم إذ يقول‏:‏ واعلم أن من شأن إن إذا جاءت على هذا الوجه أي الذي في قول بشار‏:‏

بكرا صاحبيَّ قبل الهجير *** إن ذاك النجاحَ في التبكير

أن تغني غناء الفاء العاطفة مثلاً وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمراً عجيباً فأنت ترى الكلام بها مستأنفاً غير مستأنف مقطوعاً موصولاً معاً وقال إنك ترى الجملة إذا دخلت إن ترتبط بما قبلها وتأتلف معه حتى كأن الكلامين أفرغا إفراغاً واحداً حتى إذا أسقطت إن رأيت الثاني منهما قد نبا عن الأول وتجافى معناه عن معناه حتى تجيء بالفاء فتقول مثلاً‏:‏

بكرا صاحبيَّ قبل الهجير *** إن ذاك النجاحَ في التبكير

ثم لا ترى الفاء تعيد الجملتين إلى ما كانتا عليه من الألفة وهذا الضرب كثير في التنزيل جداً من ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 1‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يا بني أقم الصلاة‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إن ذلك من عزم الأمور‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 17‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم‏}‏ ‏(‏التوبة 103‏)‏ إلخ‏.‏ فظاهر كلام الشيخ أن وجود إن في الجملة المقصود منها التعليل والربط مغن عن الإتيان بالفاء، وأن الإتيان بالفاء حينئذ لا يناسب الكلام البليغ إذ هو كالجمع بين العوض والمعوض عنه فإذا وجدنا الفاء مع إن علمنا أن الفاء لمجرد العطف وإن لإرادة التعليل والربط بين الجملتين المتعاطفتين بأكثر من معنى التعقيب‏.‏ ويستخلص من ذلك أن مواقع التعليل هي التي يكون فيها معناه بين مضمون الجملتين كالأمثلة التي ذكرها‏.‏

وجعل أبو حيان في «البحر المحيط» جملة ‏{‏فإن لكم ما سألتم‏}‏ جواباً للأمر زعم أن الأمر كما يجاب بالفعل يجاب بالجملة الاسمية ولا يخفى أن كلا المعنيين ضعيف ههنا لعدم قصد الترغيب في هذا الهبوط حتى يعلل أو يعلق، وإنما هو كلام غضب كما تقدم‏.‏ واقتران الجملة بإن المؤكدة لتنزيلهم منزلة من يشك لبعد عهدهم بما سألوه حتى يشكون هل يجدونه من شدة شوقهم، والمحب بسوء الظن مُغرى‏.‏

‏{‏وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله‏}‏‏.‏

عطف على الجمل المتقدمة بالواو وبدون إعادة إذ، فأما عطفه فلأن هاته الجملة لها مزيد الارتباط بالجمل قبلها إذ كانت في معنى النتيجة والأثر لمدلول الجمل قبلها من قوله‏:‏ ‏{‏وإذ نجيناكم من آل فرعون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 49‏]‏ فإن مضمون تلك الجمل ذكر ما منَّ الله تعالى به عليهم من نعمة تحريرهم من استعباد القبط إياهم وسوقهم إلى الأرض التي وعدهم فتضمن ذلك نعمتي التحرير والتمكين في الأرض وهو جعل الشجاعة طوع يدهم لو فعلوا فلم يقدروا قدر ذلك وتمنوا العود إلى المعيشة في مصر إذ قالوا ‏{‏لن نصبر على طعام واحد‏}‏ كما فصلناه لكم هنالك مما حكته التوراة وتقاعسوا عن دخول القرية وجبنوا عن لقاء العدو كما أشارت له الآية الماضية وفصلته آية المائدة فلا جرم إذ لم يشكروا النعمة ولم يقدروها أن تنتزع منهم ويسلبوها ويعوضوا عنها بضدها وهو الذلة المقابلة للشجاعة إذ لم يثقوا بنصر الله إياهم والمسكنة وهي العبودية فتكون الآية مسوقة مساق المجازاة للكلام السابق فهذا وجه العطف‏.‏

وأما كونه بالواو دون الفاء فليكون خبراً مقصوداً بذاته وليس متفرعاً على قول موسى لهم‏:‏ ‏{‏أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير‏}‏ لأنهم لم يشكروا النعمة فإن شكر النعمة هو إظهار آثارها المقصودة منها كإظهار النصر للحق بنعمة الشجاعة وإغاثة الملهوفين بنعمة الكرم وتثقيف الأذهان بنعمة العلم فكل من لم يشكر النعمة فهو جدير بأن تسلب عنه ويعوض بضدها قال تعالى‏:‏ ‏{‏فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 16‏]‏ الآية، ولو عطف بغير الواو لكان ذكره تبعاً لذكر سببه فلم يكن له من الاستقلال ما ينبه البال‏.‏

فالضمير في قوله‏:‏ ‏{‏وضربت عليهم‏.‏‏.‏‏.‏ وباءوا‏}‏ إلخ عائدة إلى جميع بني إسرائيل لا إلى خصوص الذين أبوا دخول القرية والذين قالوا‏:‏ ‏{‏لن نصبر على طعام واحد‏}‏ بدليل قوله ‏{‏ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير الحق‏}‏ فإن الذين قتلوا النبيئين هم أبناء الذين أبوا دخول القرية وقالوا‏:‏ ‏{‏لن نصبر‏}‏ فالإتيان بضمير الغيبة هنا جار على مقتضى الظاهر لأنهم غير المخاطبين فليس هو من الالتفات إذ ليس قوله‏:‏ ‏{‏وضربت عليهم الذلة‏}‏ إلخ من بقية جواب موسى إياهم لما علمت من شموله للمتحدث عنهم الآبين دخول القرية ولغيرهم ممن أتى بعدهم فقد جاء ضمير الغيبة على أصله، أما شموله للمخاطبين فإنما هو بطريقة التعريض وهو لزوم توارث الأبناء أخلاق الآباء وشمائلهم كما قررناه في وجه الخطابات الماضية من قوله‏:‏ ‏{‏وإذ فرقنا بكم البحر‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 50‏]‏ الآيات ويؤيده التعليل الآتي بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك بأنهم كانوا يكفرون‏}‏ المشعر بأن كل من اتصف بذلك فهو جدير بأن يثبت له من الحكم مثل ما ثبت للآخر‏.‏

والضرب في كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم بظاهر جسم آخر بشدة، يقال ضرب بعصا وبيده وبالسيف وضرب بيده الأرض إذا ألصقها بها، وتفرعت عن هذا معان مجازية ترجع إلى شدة اللصوق‏.‏ فمنه ضرب في الأرض‏:‏ سار طويلاً، وضرب قبة وبيتاً في موضع كذا بمعنى شدها ووثقها من الأرض‏.‏ قال عبدة بن الطبيب‏:‏

إن التي ضربتْ بيتاً مُهاجرة *** وقال زياد الأعجم‏:‏

في قبة ضربت على ابن الحشرج‏.‏‏.‏‏.‏

وضربَ الطين على الحائط ألصقه، وقد تقدم ما لجميع هذه المعاني عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 26‏]‏‏.‏

فقوله‏:‏ ‏{‏وضربت عليهم الذلة والمسكنة‏}‏ استعارة مكنية إذ شبهت الذلة والمسكنة في الإحاطة بهم واللزوم بالبيت أو القبة يضربها الساكن ليلزمها وذكر الضرب تخييل لأنه ليس له شبيه في علائق المشبه‏.‏ ويجوز أن يكون ضربت استعارة تبعية وليس ثمة مكنية بأن شبه لزوم الذلة لهم ولصوقها بلصوق الطين بالحائط، ومعنى التبعية أن المنظور إليه في التشبيه هو الحدث والوصف لا الذات بمعنى أن جريان الاستعارة في الفعل ليس بعنوان كونه تابعاً لفاعل كما في التخييلية بل بعنوان كونه حدثاً وهو معنى قولهم أجريت في الفعل تبعاً لجريانها في المصدر وبه يظهر الفرق بين جعل ضربت تخييلاً وجعله تبعية وهي طريقة في الآية سلكها الطيبي في ‏{‏شرح الكشاف‏}‏ وخالفه التفتزاني وجعل الضرب استعارة تبعية بمعنى الإحاطة والشمول سواء كان المشبه به القبة أو الطين، وهما احتمالان مقصودان في هذا المقام يشعر بهما البلغاء‏.‏

ثم إن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وضربت عليهم الذلة‏}‏ ليس هو من باب قول زياد الأعجم‏:‏

إن السماحة والمروءة والندى *** في قبة ضربت على ابن الحشرج

لأن القبة في الآية مشبه بها وليست بموجودة والقبة في البيت يمكن أن تكون حقيقة فالآية استعارة وتصريح والبيت حقيقة وكناية كما نبه عليه الطيبي وجعل التفتزاني الآية على الاحتمالين في الاستعارة كناية عن كون اليهود أذلاء متصاغرين وهي نكت لا تتزاحم‏.‏

والذلة الصغار وهي بكسر الذال لا غير وهي ضد العزة ولذلك قابل بينهما السموأل أو الحارثي في قوله‏:‏

وما ضَرَّنا أنا قَليل وجارُنا *** عَزِيز وجارُ الأكثرين ذَليل

والمسكنة الفقر مشتقة من السكون لأن الفقر يقلل حركة صاحبه‏.‏ وتطلق على الضعف ومنه المسكين للفقير‏.‏ ومعنى لزوم الذلة والمسكنة لليهود أنهم فقدوا البأس والشجاعة وبدا عليهم سيما الفقر والحاجة مع وفرة ما أنعم الله عليهم فإنهم لما سئموها صارت لديهم كالعدم ولذلك صار الحرص لهم سجية باقية في أعقابهم‏.‏

والبوء الرجوع وهو هنا مستعار لانقلاب الحالة مما يرضى الله إلى غضبه‏.‏

‏{‏ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ‏}‏‏.‏

استئناف بياني أثاره ما شنع به حالهم من لزوم الذلة والمسكنة لهم والإشارة إلى ما تقدم من قوله‏:‏ ‏{‏وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب‏}‏‏.‏ وأفرد اسم الإشارة لتأويل المشار إليه بالمذكور وهو أولى بجواز الإفراد من إفراد الضمير في قول رؤبة‏:‏

فِيها خطوط من سَواد وَبَلقْ *** كأنَّه في الجِلْدِ توليع البَهَق

قال أبو عبيدة لرؤبة‏:‏ إن أردت الخطوط فقل كأنها وإن أردت السواد والبياض فقل كأنهما فقال رؤبة‏:‏ «أردت كأن ذلك ويلك» وإنما كان ما في الآية أولى بالإفراد لأن الذلة والمسكنة والغضب مما لا يشاهد فلا يشار إلى ذاتها ولكن يشار إلى مضمون الكلام وهو شيء واحد أي مذكور ومقول ومن هذا قوله تعالى‏:‏

‏{‏ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 58‏]‏ أي ذلك القصص السابق‏.‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عوان بين ذلك‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 68‏]‏ وسيأتي‏.‏

وقال صاحب «الكشاف» «والذي حسن ذلك أن أسماء الإشارة ليست تثنيتها وجمعها وتأنيثها على الحقيقة وكذلك الموصولات ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع» اه قيل أراد به أن جمع أسماء الإشارة وتثنيتها لم يكن بزيادة علامات بل كان بألفاظ خاصة بتلك الأحوال فلذلك كان استعمال بعضها في معنى بعض أسهل إذا كان على تأويل، وهو قليل الجدوى لأن المدار على التأويل والمجاز سواء كان في استعمال لفظ في معنى آخر أو في استعمال صيغة في معنى أخرى فلا حسن يخص هذه الألفاظ فيما يظهر فلعله أراد أن ذا موضوع لجنس ما يشار إليه‏.‏ والذي موضوع لجنس ما عرف بصلة فهو صالح للإطلاق على الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث وإن ما يقع من أسماء الإشارة والموصولات للمثنى نحو ذان وللجمع نحو أولئك، إنما هو اسم بمعنى المثنى والمجموع لا أنه تثنية مفرد، وجمع مفرد، فذا يشار به للمثنى والمجموع ولا عكس فلذلك حسن استعمال المفرد منها للدلالة على المتعدد‏.‏

والباء في قوله‏:‏ ‏{‏بأنهم كانوا يكفرون‏}‏ سببية أي إن كفرهم وما معه كان سبباً لعقابهم في الدنيا بالذلة والمسكنة وفي الآخرة بغضب الله وفيه تحذير من الوقوع في مثل ما وقعوا فيه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ويقتلون النبيئين بغير الحق‏}‏ خاص بأجيال اليهود الذين اجترموا هذه الجريمة العظيمة سواء في ذلك من باشر القتل وأمر به ومن سكت عنه ولم ينصر الأنبياء‏.‏ وقد قتل اليهود من الأنبياء أشعياء بن أموص الذي كان حياً في منتصف القرن الثامن قبل المسيح، قتله الملك منسى ملك اليهود سنة 700 قبل المسيح نشر نشراً على جذع شجرة‏.‏ وأرمياء النبيء الذي كان حياً في أواسط القرن السابع قبل المسيح وذلك لأنه أكثر التوبيخات والنصائح لليهود فرجموه بالحجارة حتى قتلوه وفي ذلك خلاف‏.‏ وزكرياء الأخير أبا يحيى قتله هيرودس العبراني ملك اليهود من قبل الرومان لأن زكرياء حاول تخليص ابنه يحيى من القتل وذلك في مدة نبوءة عيسى، ويحيى بن زكرياء قتله هيرودس لغضب ابنة أخت هيرودس على يحيى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بغير الحق‏}‏ أي بدون وجه معتبر في شريعتهم فإن فيها‏:‏ ‏{‏أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 32‏]‏ فهذا القيد من الاحتجاج على اليهود بأصول دينهم لتخليد مذمتهم، وإلا فإن قتل الأنبياء لا يكون بحق في حال من الأحوال، وإنما قال ‏(‏الأنبياء‏)‏ لأن الرسل لا تسلط عليهم أعداؤهم لأنه مناف لحكمة الرسالة التي هي التبليغ قال تعالى‏:‏

‏{‏إنا لننصر رسلنا‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 51‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏والله يعصمك من الناس‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 67‏]‏ ومن ثم كان ادعاء النصارى أن عيسى قتله اليهود ادعاء منافياً لحكمة الإرسال ولكن الله أنهى مدة رسالته بحصول المقصد مما أرسل إليه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون‏}‏ يحتمل أن تكون الإشارة فيه إلى نفس المشار إليه بذلك الأولى فيكون تكريراً للإشارة لزيادة تمييز المشار إليه حرصاً على معرفته، ويكون العصيان والاعتداء سببين آخرين لضرب الذلة والمسكنة ولغضب الله تعالى عليهم، والآية حينئذ من قبيل التكرير وهو مغن عن العطف مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 179‏]‏‏.‏

ويجوز أن يكون المشار إليه بذلك الثاني هو الكفر بآيات الله وقتلهم النبيئين فيكون ‏(‏ذلك‏)‏ إشارة إلى سبب ضرب الذلة إلخ فما بعد كلمة ‏(‏ذلك‏)‏ هو سبب السبب تنبيهاً على أن إدمان العاصي يفضي إلى التغلغل فيها والتنقل من أصغرها إلى أكبرها‏.‏

والباء على الوجهين سببية على أصل معناها‏.‏ ولا حاجة إلى جعل إحدى الباءين بمعنى مع على تقدير جعل اسم الإشارة الثاني تكريراً للأول أخذاً من كلام «الكشاف» الذي احتفل به الطيبي فأطال في تقريره وتفنين توجيهه فإن فيه من التكلف ما ينبو عنه نظم القرآن‏.‏ وكان الذي دعا إلى فرض هذا الوجه هوخلو الكلام عن عاطف يعطف ‏{‏بما عصوا‏}‏ على ‏{‏بأنهم كانوا يكفرون‏}‏ إذا كانت الإشارة لمجرد التكرير‏.‏ ولقد نبهناك آنفاً إلى دفع هذا بأن التكرير يغني غناء العطف‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏62‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏62‏)‏‏}‏

توسطت هاته الآية بين آيات ذكر بني إسرائيل بما أنعم الله عليهم وبما قابلوا به تلك النعم من الكفران وقلة الاكتراث فجاءت معترضة بينها لمناسبة يدركها كل بليغ وهي أن ما تقدم من حكاية سوء مقابلتهم لنعم الله تعالى قد جرت عليهم ضرب الذلة والمسكنة ورجوعهم بغضب من الله تعالى عليهم، ولما كان الإنحاء عليهم بذلك من شأنه أن يفزعهم إلى طلب الخلاص من غضب الله تعالى لم يترك الله تعالى عادته مع خلقه من الرحمة بهم وإرادته صلاح حالهم فبين لهم في هاته الآية أن باب الله مفتوح لهم وأن اللجأ إليه أمر هين عليهم وذلك بأن يؤمنوا ويعملوا الصالحات، ومن بديع البلاغة أن قرن معهم في ذلك ذكر بقية من الأمم ليكون ذلك تأنيساً لوحشة اليهود من القوارع السابقة في الآيات الماضية وإنصافاً للصالحين منهم، واعترافاً بفضلهم، وتبشيراً لصالحي الأمم من اليهود وغيرهم الذين مضوا مثل الذين كانوا قبل عيسى وامتثلوا لأنبيائهم، ومثل الحواريين، والموجودين في زمن نزول الآية مثل عبد الله بن سَلاَم وصهيب، فقد وفَّت الآية حق الفريقين من الترغيب والبشارة، وراعت المناسبتيْن للآيات المتقدمة مناسبةَ اقتران الترغيب بالترهيب، ومناسبةَ ذكر الضد بعد الكلام على ضده‏.‏

فمجيء ‏(‏إنَّ‏)‏ هنا لمجرد الاهتمام بالخبر وتحقيقِه لدفع توهم أن ما سبق من المذمات شامل لجميع اليهود، فإن كثيراً من الناس يتوهم أن سلف الأمم التي ضَلَّت كانوا مثلهم في الضلال، ولقد عجب بعض الأصحاب لما ذكرت لهم أني حين حللت في رومة تبركت بزيارة قبر القديس بطرس توهماً منهم بكون قبره في كنيسة رومة فبيّنت لهم أنه أحد الحواريين أصحاب المسيح عيسى عليه السلام‏.‏

وابتُدئ بذكر المؤمنين للاهتمام بشأنهم ليكونوا في مقدمة ذكر الفاضلين فلا يذكر أهلُ الخير إلا ويذكرون معهم، ومن مراعاة هذا المقصد قوله تعالى في سورة النساء ‏(‏162‏)‏ ‏{‏لكن الراسخون في العلم منهم‏}‏ أي الذين هادوا والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك الآية، ولأنهم القدوة لغيرهم كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 137‏]‏ فالمراد من الذين آمنوا في هذه الآية هم المسلمون الذين صدقوا بالنبيء محمد صلى الله عليه وسلم وهذا لقب للأمة الإسلامية في عرف القرآن‏.‏

و ‏{‏الذين هادوا‏}‏ هم بنو إسرائيل وقد مضى الكلام عليهم وإنما نذكر هنا وجه وصفهم بالذين هادوا، ومعنى ‏(‏هادوا‏)‏ كانوا يهوداً أو دانوا بدين اليهود‏.‏ وأصل اسم يهود منقول في العربية من العبرانية وهو في العبرانية بذال معجمة في آخره وهو علم أحد أسباط إسرائيل، وهذا الاسم أطلق على بني إسرائيل بعد موت سليمان سنة 975 قبل المسيح فإن مملكة إسرائيل انقسمت بعد موته إلى مملكتين مملكة رحبعام بننِ سليمان ولم يتبعه إلا سِبط يهوذا وسبط بِنْيَامِين وتُلقب بمملكة يهوذا لأن معظم أتباعه من سبط يهوذا وجعل مقر مملكته هو مقر أبيه ‏(‏أورشليم‏)‏، ومملكة مَلِكُها يورْبعام بن بناط غلام سليمان وكان شجاعاً نجيباً فملَّكَتْه بقية الأسباط العشرة عليهم وجَعل مقر مملكته السامرة وتلقب بمَلِككِ إسرائيل إلا أنه وقومه أفسدوا الديانة الموسوية وعبدوا الأوثان فلأجل ذلك انفصلوا عن الجامعة الإسرائيلية ولم يدم ملكهم في السامرة إلا مائتين ونيفاً وخمسين سنة ثم انقرض على يد ملوك الآشوريين فاستأصلوا الإسرائيليين الذين بالسامرة وخربوها ونقلوا بني إسرائيل إلى بلاد آشور عبيداً لهم وأسكنوا بلاد السامرة فريقاً من الآشوريين فمن يومئذ لم يبق لبني إسرائيل مُلك إلا مُلك يهوذا بأورشليم يتداوله أبناءُ سليمان عليه السلام فمنذ ذلك غلب على بني إسرائيل اسم يَهود أي يَهوذا ودام ملكهم هذا إلى حد سنة 120 قبل المسيح مسيحية في زمن الأمبراطور أدريان الروماني الذي أجلى اليهود الجلاءَ الأخير فتفرقوا في الأقطار باسم اليهود هم ومن التحق بهم من فلول بقية الأسباط‏.‏

ولعل هذا وجه اختيار لفظ ‏{‏الذين هادوا‏}‏ في الآية دون اليهود للإشارة إلى أنهم الذين انتسبوا إلى اليهود ولو لم يكونوا من سبط يهوذا‏.‏ ثم صار اسم اليهود مطلقاً على المتدينين بدين التوراة قال تعالى‏:‏ ‏{‏وقالت اليهود ليست النصارى على شيء‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 113‏]‏ الآية ويقال تَهوّد إذا اتبع شريعة التوراة وفي الحديث‏:‏ «يولد الولد على الفطرة ثم يكون أبواه هما اللذان يهوِّدانِه أو ينصِّرانه أو يمَجِّسانه» ويقال هاد إذا دان باليهودية قال تعالى‏:‏ ‏{‏وعلى الذين هادوا حرَّمنا كل ذي ظفر‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 146‏]‏‏.‏ وأما ما في سورة الأعراف ‏(‏156‏)‏ من قول موسى‏:‏ ‏{‏إنَّا هدنا إليك‏}‏ فذلك بمعنى المتاب‏.‏

وأما النصارى فهو اسم جمع نَصْرى ‏(‏فتح فسكون‏)‏ أو ناصري نسبة إلى الناصرة وهي قرية نشأت منها مريم أم المسيح عليهما السلام وقد خرجت مريم من الناصرة قاصدة بيت المقدس فولدت المسيح في بيت لحم ولذلك كان بنو إسرائيل يدعونه يشوع الناصري أو النَّصْرى فهذا وجه تسمية أتباعه بالنصارى‏.‏

وأما قوله‏:‏ والصابين‏}‏ فقرأه الجمهور بهمزة بعدَ الموحدة على صيغة جمع صَابئ بهمزة في آخره، وقرأه نافع وحده بياء ساكنة بعد الموحدة المكسورة على أنه جمع صَاببٍ منقوصاً فأما على قراءة الجمهور فالصابئون لعله جمع صابئ وصابئ لعله اسم فاعل صَبَأ مهموزاً أي ظهر وطلع، يقال صَبَأ النجم أي طلع وليس هو من صبَا يصبو إذا مال لأن قراءة الهمز تدل على أن ترك تخفيف الهمز في غيرها تخفيف لأن الأصل توافق القراءات في المعنى‏.‏ وزعم بعض علماء الأفرنج أنهم سموا صابئة لأن دينهم أتى به قوم من سبأ‏.‏ وأما على قراءة نافع فجعلوها جمع صاب مثل رام على أنه اسم فاعل من صبا يصبو إذا مال قالوا‏:‏ لأن أهل هذا الدين مالوا عن كل دين إلى دين عبادة النجوم ‏(‏ولو قيل لأنهم مالوا عن أديان كثيرة إذ اتخذوا منها دينهم كما ستعرفه لكان أحسن‏)‏‏.‏

وقيل إنما خَفَّف نافع همزة ‏(‏الصابين‏)‏ فجعلها ياء مثل قراءَته ‏{‏سَالَ سائل‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 1‏]‏، ومثل هذا التخفيف سماعي لأنه لا موجب لتخفيف الهمز المتحرك بعد حرف متحرك‏.‏

والأظهر عندي أن أصل كلمة الصابي أو الصابئة أوما تفرع منها هو لفظ قديم من لغة عربية أو سامية قديمة هي لغة عرب ما بين النهرين من العراق وفي «دائرة المعارف الإسلامية» أن اسم الصابئة مأخوذ من أصل عبري هو ‏(‏ص ب ع‏)‏ أي غطس عرفت به طائفة ‏(‏المنديا‏)‏ وهي طائفة يهودية نصرانية في العراق يقومون بالتعميد كالنصارى‏.‏

ويقال الصابئون بصيغة جمع صابئ والصابئة على أنه وصف لمقدر أي الأمة الصابئة وهم المتدينون بدين الصابئة ولا يعرف لهذا الدّين إلا اسم الصابئة على تقدير مضاف أي دين الصابئة إضافةً إلى وصف أتباعه ويقال دين الصابئة‏.‏ وهذا الدين دين قديم ظهر في بلاد الكلدان في العراق وانتشر معظم أتباعه فيما بين الخابور ودجلة وفيما بين الخابور والفرات فكانوا في البطائح وكَسْكَر في سواد واسط وفي حَرَّان من بلاد الجزيرة‏.‏

وكان أهل هذا الدين نَبَطاً في بلاد العراق فلما ظهر الفرس على إقليم العراق أزالوا مملكة الصابئين ومنعوهم من عبادة الأصنام فلم يجسروا بعد على عبادة أوثانهم‏.‏ وكذلك منع الروم أهلَ الشام والجزيرة من الصابئين فلما تنصر قسطنطين حملهم بالسيف على التنصر فبطلت عبادة الأوثان منهم من ذلك الوقت وتظاهروا بالنصرانية فلما ظهر الإسلام على بلادهم اعتبروا في جملة النصارى وقد كانت صابئة بلاد كَسْكَر والبَطَائح معتبرين صنفاً من النصارى ينتمون إلى النبيء يحيى بن زكرياء ومع ذلك لهم كتب يزعمون أن الله أنزلها على شيث بن آدم ويسمونه ‏(‏أغاثاديمون‏)‏، والنصارى يسمونهم يُوحَنَّاسِية ‏(‏نسبة إلى يوحنا وهو يحيى‏)‏‏.‏

وجامع أصل هذا الدين هو عبادة الكواكب السيارة والقمر وبعض النجوم مثل نجم القطب الشمالي وهم يؤمنون بخالق العالم وأنه واحد حكيم مقدس عن سمات الحوادث غير أنهم قالوا‏:‏ إن البشر عاجزون عن الوصول إلى جلال الخالق فلزم التقرب إليه بواسطة مخلوقات مقربين لديه وهي الأرواح المجردات الطاهرة المقدسة وزعموا أن هذه الأرواح ساكنة في الكواكب وأنها تنزل إلى النفوس الإنسانية وتتصل بها بمقدار ما تقترب نفوس البشر من طبيعة الروحانيات فعبدوا الكواكب بقصد الاتجاه إلى رُوحانياتها ولأجل نزول تلك الروحانيات على النفوس البشرية يتعين تزكية النفس بتطهيرها من آثار القوى الشهوانية والغضبية بقدر الإمكان والإقبال على العبادة بالتضرع إلى الأرواح وبتطهير الجسم والصيام والصدقة والطيب وألزموا أنفسهم فضائل النفس الأربع الأصلية ‏(‏وهي العفة والعدالة والحكمة والشجاعة‏)‏ والأخذَ بالفضائل الجزئية ‏(‏المتشعبة عن الفضائل الأربع وهي الأعمال الصالحة‏)‏ وتجنب الرذائل الجزئية ‏(‏وهي أضداد الفضائل وهي الأعمال السيئة‏)‏‏.‏

ومن العلماء من يقول إنهم يقولون بعدم الحاجة إلى بعثة الرسل وأنهم يعللون ذلك بأن مدعي الرسالة من البشر فلا يمكن لهم أن يكونوا واسطة بين الناس والخالق‏.‏ ومن العلماء من ينقل عنهم أنهم يدعون أنهم على دين نوح‏.‏ وهم يقولون إن المعلِّمَيْن الأولَيْن لدين الصابئة هما أغَاثَاد يمون وهُرمس وهما شيث بن آدم وإدريس، وهم يأخذون من كلام الحكماء ما فيه عون على الكمال فلذلك يكثر في كلامهم المماثلة لأقوال حكماء اليونان وخاصة سولون وأفلاطون وأرسطاطاليس، ولا يبعد عندي أن يكون أولئك الحكماء اقتبسوا بعض الآراء من قدماء الصابئة في العراق فإن ثمة تشابهاً بينهم في عبادة الكواكب وجعلها آلهة وفي إثبات إلاه الآلهة‏.‏

وقد بنوا هياكل للكواكب لتكون مهابط لأرواح الكواكب وحرصوا على تطهيرها وتطييبها لكي تألفها الروحانيات وقد يجعلون للكواكب تماثيل من الصور يتوخون فيها محاكاة صور الروحانيات بحسب ظنهم‏.‏

ومن دينهم صلوات ثلاث في كل يوم، وقبلتهم نحو مهب ريح الشمال ويتطهرون قبل الصلاة وقراآتهم ودعواتهم تسمى الزمزمة بزايين كما ورد في ترجمة أبي إسحاق الصابئ‏.‏ ولهم صيام ثلاثين يوماً في السنة، موزعة على ثلاثة مواقيت من العام‏.‏ ويجب غسل الجنابة وغسل المرأة الحائض‏.‏ وتحرم العزوبة، ويجوز للرجل تزوج ما شاء من النساء ولا يتزوج إلا امرأة صابئة على دينه فإذا تزوج غير صابئة أو تزوجت الصابئة غير صابئ خرجا من الدين ولا تقبل منهما توبة‏.‏ ويغسلون موتاهم ويكفنونهم ويدفنونهم في الأرض‏.‏ ولهم رئيس للدين يسمونه الكمر بكاف وميم وراء‏.‏

وقد اشتهر هذا الدين في حران من بلاد الجزيرة، ولذلك تعرف الصابئة في كتب العقائد الإسلامية بالحَرْنَانية ‏(‏بنونين نسبة إلى حرَّان على غير قياس كما في «القاموس»‏)‏‏.‏ قال ابن حزم في كتاب «الفِصَل»‏:‏ كان الذي ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه الدهر والغالب على الدنيا إلى أن أحدثوا فيه الحوادث فبعث الله إبراهيم عليه السلام بالحنيفية اه‏.‏

ودين الصابئة كان معروفاً للعرب في الجاهلية، بسبب جوار بلاد الصابئة في العراق والشام لمنازل بعض قبائل العرب مثل ديار بكر وبلاد الأنباط المجاورة لبلاد تغلب وقضاعة‏.‏ ألا ترى أنه لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم وصفه المشركون بالصابئ، وربما دَعوه بابن أبي كبشة الذي هو أحد أجداد آمنة الزهرية أمِّ النبيء صلى الله عليه وسلم كان أظهر عبادة الكواكب في قومه فزعموا أن النبيء ورث ذلك منه وكَذَبُوا‏.‏ وفي حديث عمران بن حصين أنهم كانوا في سفر مع النبيء صلى الله عليه وسلم ونفد دماؤهم فابتغوا الماء فلقوا امرأة بين مزادتين على بعير فقالوا لها‏:‏ انطلقي إلى رسول الله فقالت‏:‏ الذي يقال له الصابئ قالوا‏:‏ هو الذين تَعنين‏.‏

وساق حديث تكثير الماء‏.‏

وكانوا يُسمُّون المسلمين الصُّبَاةَ كما ورد في خبر سعد بن معاذ أنه كان صديقاً لأمية بن خلف وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية فلما هاجر النبيء صلى الله عليه وسلم إلى المدينة انطلق سعد ذات يوم معتمراً فنزل على أمية بمكة وقال لأمية‏:‏ انظُر لي ساعة خلوة لعلي أطوف بالبيت فخرج به فلقيهما أبو جهل فقال لأمية يا أبا صفوان من هذا معك قال‏:‏ سعد، فقال له أبو جهل‏:‏ ألا أراك تطوف بمكة آمناً وقد أوَيْتم الصُّباةَ‏.‏

وفي حديث غزوة خالد بن الوليد إلى جذيمة أنه عرض عليهم الإسلام أو السيف فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فقالوا‏:‏ صبأنا، الحديث‏.‏

وقد قيل إن قوماً من تميم عبدوا نجم الدَّبَران، وأن قوماً من لخم وخزاعة عبدوا الشِّعْرى العَبَورَ، وهو من كواكب برج الجوزاء في دائرة السرطان، وأن قوماً من كنانة عبدوا القمر فظن البعض أن هؤلاء كانوا صابئة وأَحسب أنهم تلقفوا عبادة هذه الكواكب عن سوء تحقيق في حقائق دين الصابئة ولم يجزم الزمخشري بأن في العرب صابئة فإنه قال في «الكشاف» في تفسير سورة ‏(‏37‏)‏ فصلت في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تسجُدُوا للشمس ولا للقمر‏}‏ قال‏:‏ لعل ناساً منهم كانوا يسجدون للشمس والقمر كالصابئين فنُهوا عن ذلك‏.‏

وقد اختلف علماء الإسلام في إجراء الأحكام على الصابئة، فعن مجاهد والحسن أنهم طائفة بين اليهود والمجوس، وقال البيضاوي‏:‏ هم قوم بين النصارى والمجوس فمن العلماء من ألحقهم بأهل الكتاب، ومن العلماء من ألحقهم بالمجوس، وسبب هذا الاضطراب هو اشتباه أحوالهم وتكتمهم في دينهم، وما دخل عليه من التخليط بسبب قهر الأمم التي تغلبت على بلادهم، فالقسم الذي تغلَّب عليهم الفرس اختلط دينهم بالمجوسية، والذين غَلَب عليهم الروم اختل دينهم بالنصرانية‏.‏

قال ابن شاس في كتاب الجواهر الثمينة‏}‏‏:‏ قال الشيخ أبو الطاهر ‏(‏يعني ابن بشير التنوخي القيرواني‏)‏ مَنَعوا ذبائح الصابئة لأنهم بين النصرانية والمجوسية ‏(‏ولا شك أنه يعني صابئة العراق، الذين كانوا قبل ظهور الإسلام على بلادهم على دين المجوسية‏)‏‏.‏

وفي «التوضيح على مختصر ابن الحاجب الفرعي» في باب الذبائح «قال الطرطوشي‏:‏ لا تؤكل ذبيحة الصابيء وليست بحرام كذبيحة المجوسي» وفيه في باب الصيد «قال مالك لا يؤكل صيد الصابيء ولا ذبيحته»‏.‏

وفي «شرح عبد الباقي على خليل»‏:‏ «إنَّ أخذ الصابئ بالنصرانية ليس بقوي كما ذكره أبو إسحاق التونسي، وعن مالك لا يتزوج المسلمُ المرأةَ الصائبة»‏.‏

قال الجصاص في تفسير سورة العقود وسورة براءة‏:‏ روي عن أبي حنيفة أن الصابئة أهل كتاب، وقال أبو يوسف ومحمد ليسوا أهل كتاب‏.‏ وكان أبوالحسن الكَرخي يقول الصابئة الذين هم بناحية حَرَّانَ يعبدون الكواكب، فليسوا أهل كتاب عندهم جميعاً‏.‏

قال الجصاص‏:‏ الصابئة الذين يعرفون بهذا الاسم في هذا الوقت ليس فيهم أهل كتاب وانتحالهم في الأصل واحد أعني الذين هم بناحية حران، والذين هم بناحية البطائح وكَسْكَر في سواد واسط، وإنما الخلاف بين الذين بناحية حران والذين بناحية البطائح في شيء من شرائعهم وليس فيهم أهل كتاب فالذي يغلب على ظني في قول أبي حنيفة أنه شاهدَ قوماً منهم يظهرون أنهم نصارى تقيةً، وهم الذين كانوا بناحية البطائح وكسْكر ويسميهم النصارى يُوحنَّا سِيَّة وهم ينتمون إلى يحيى بن زكرياء، وينتحلون كتباً يزعمون أنها التي أنزلها الله على شيث ويحيى‏.‏ ومن كان اعتقاده من الصابئين على ما وصفنا وهم الحرانيون الذين بناحية حران وهم عبدة أوثان لا ينتمون إلى أحد من الأنبياء ولا ينتحلون شيئاً من كتب الله فلا خلاف بين الفقهاء في أنهم ليسوا أهل كتاب، وأنه لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم وأبو يوسف ومحمد قالا‏:‏ إن الصابئين ليسوا أهل كتاب ولم يفصلوا بين الفريقين وكذا قول الأوزاعي ومالك بن أنس اه‏.‏ كلامه‏.‏

ووجه الاقتصار في الآية على ذكر هذه الأديان الثلاثة مع الإسلام دون غيرها من نحو المجوسية والدهريين والزنادقة أن هذا مقام دعوتهم للدخول في الإسلام والمتاب عن أديانهم التي أبطلت لأنهم أرجى لقبول الإسلام من المجوس والدهريين لأنهم يثبتون الإله المتفرد بخلق العالم ويتبعون الفضائل على تفاوت بينهم في ذلك، فلذلك اقتصر عليهم تقريباً لهم من الدخول في الإسلام‏.‏ ألا ترى أنه ذكر المجوس معهم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 17‏]‏ لأن ذلك مقام تثبيت للنبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من آمن‏}‏ يجوز أن تكون ‏(‏من‏)‏ شرطاً في موضع المبتدأ ويكون فلهم أجرهم جواب الشرط، والشرط مع الجواب خبر ‏{‏إن‏}‏، فيكون المعنى إن الذين آمنوا من يؤمن بالله منهم فله أجره وحذف الرابط بين الجملة وبين اسم ‏(‏إن‏)‏ لأن ‏(‏من‏)‏ الشرطية عامة فكان الرابط العموم الذي شمل المبتدأ أعني اسم ‏(‏إن‏)‏ ويكون معنى الكلام على الاستقبال لوقوع الفعل الماضي في حيز الشرط أي من يؤمن منهم بالله ويعمل صالحاً فله أجره ويكون المقصود منه فتح باب الإنابة لهم بعد أن قُرِّعوا بالقوارع السالفة وذكر معهم من الأمم من لم يذكر عنهم كفر لمناسبة ما اقتضته العلة في قوله‏:‏ ‏{‏ذلك بأنهم كانوا يكفرون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 61‏]‏ وتذكيراً لليهود بأنهم لا مزية لهم على غيرهم من الأمم حتى لا يتكلوا على الأوهام أنهم أحباء الله وأن ذنوبهم مغفورة‏.‏ وفي ذلك أيضاً إشارة إلى أن المؤمنين الخالصين من اليهود وغيرهم ممن سلف مثل النقباء الذين كانوا في المناجاة مع موسى ومثل يوشع بن نوع كالب بن يفنه لهم هذا الحكم وهو أن لهم أجراً عند ربهم لأن إناطة الجزاء بالشرط المشتق مؤذن بالتعليل بل السابقون بفعل ذلك قبل التقييد بهذا الشرط أولى بالحكم فقد قضت الآية حق الفريقين‏.‏

ويجوز أن تكون ‏(‏من‏)‏ موصولة بدلاً من اسم ‏(‏إن‏)‏ والفعل الماضي حينئذ باق على المضي لأنه ليس ثمة ما يخلصه للاستقبال ودخلت الفاء في ‏{‏فلهم أجرهم‏}‏ إما على أنها تدخل في الخبر نحو قول الشاعر وهو من شواهد «كتاب سيبويه»‏.‏

وقائلة خوْلان فانكح فتاتهم *** ونحو‏:‏ ‏{‏إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم‏}‏ ‏[‏البروج‏:‏ 10‏]‏ عند غير سيبويه‏.‏ وإما على أن الموصول عومل معاملة الشرط للإيذان بالتعليل فأدخلت الفاء قرينة على ذلك‏.‏ ويكون المفاد من الآية حينئذ استثناء صالحي بني إسرائيل من الحكم، بضرب الذلة والمسكنة والغضب من الله ويكون ذكر بقية صالحي الأمم معهم على هذا إشارة إلى أن هذه سنة الله في معاملته خلقه ومجازاته كلاً على فعله‏.‏

وقد استشكل ذكر ‏{‏الذين آمنوا‏}‏ في عداد هؤلاء، وإجراء قوله‏:‏ ‏{‏من آمن بالله‏}‏ عليهم مع أنهم مؤمنون فذكرهم تحصيل للحاصل، فقيل أريد به خصوص المؤمنين بألسنتهم فقط وهم المنافقون‏.‏ وقيل أراد به الجميع وأراد بمن آمن من دام بالنسبة للمخلصين ومن أخلص بالنسبة للمنافقين‏.‏ وهما جوابان في غاية البعد‏.‏ وقيل‏:‏ يرجع قوله‏:‏ ‏{‏من آمن بالله واليوم الآخر‏}‏ لخصوص الذين هادوا والنصارى والصابين دون المؤمنين بقرينة المقام لأنهم وصفوا بالذين آمنوا وهو حسن‏.‏ وعندي أنه لا حاجة إلى شيء من ذلك، لأن الشرط والصلة تركبت من شيئين الإيمان والعمل الصالح‏.‏ والمخلصون وإن كان إيمانهم حاصلاً فقد بقي عليهم العمل الصالح فلما تركب الشرط أو الصلة من أمرين فقد علم كل أناس مشربهم وترجع كل صفة لمن يفتقر إليها كلاً أو بعضاً‏.‏

ومعنى ‏{‏من آمن بالله‏}‏‏.‏ الإيمان الكامل وهو الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم بقرينة المقام وقرينة قوله‏:‏ ‏{‏وعمل صالحاً‏}‏ إذ شرط قبول الأعمال الإيمان الشرعي لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم كان من الذين آمنوا‏}‏ ‏[‏البلد‏:‏ 17‏]‏‏.‏ وقد عد عدم الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم بمنزلة عدم الإيمان بالله لأن مكابرة المعجزات، القائمة مقام تصديق الله تعالى للرسول المتحدي بها يؤول إلى تكذيب الله تعالى في ذلك التصديق فذلك المكابر غير مؤمن بالله الإيمان الحق‏.‏ وبهذا يعلم أن لا وجه لدعوى كون هذه الآية منسوخة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 85‏]‏ إذ لا استقامة في دعوى نسخ الخبر إلا أن يقال إن الله أخبر به عن مؤمني أهل الكتاب والصابئين الذين آمنوا بما جاءت به رسل الله دون تحريف ولا تبديل ولا عصيان وماتوا على ذلك قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فيكون معنى الآية كمعنى قوله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر من يؤتى أجره مرتين‏:‏

‏{‏ورجل من أهل الكتاب آمن برسوله ثم آمن بي فله أجران‏}‏

وأما القائلون بأنها منسوخة، فأحسب أن تأويلها عندهم أن الله أمهلهم في أول تلقي دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن ينظروا فلما عَاندُوا نسخها بقوله‏:‏ ‏{‏ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه‏}‏ لئلا يفضي قولهم إلى دعوى نسخ الخبر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلهم أجرهم عند ربهم‏}‏ أطلق الأجر على الثواب مجازاً لأنه في مقابلة العمل الصالح والمرادبه نعيم الآخرة، وليس أجراً دنيويَّاً بقرينة المقام وقوله‏:‏ ‏{‏عند ربهم‏}‏ عندية مجازية مستعملة في تحقيق الوعد كما تستعمل في تحقيق الإقرار في قولهم لك عندي كذا‏.‏ ووجه دلالة عند في نحو هذا على التحقق أن عند دالة على المكان فإذا أطلقت في غير ما من شأنه أن يحل في مكان كانت مستعملة في لازم المكان، وهو وجود ما من شأنه أن يكون في مكان على أن إضافة عند لاسم الرب تعالى مما يزيد الأجر تحققاً لأن المضاف إليه أكرم الكرماء فلا يفوت الأجر الكائن عنده‏.‏

وإنما جُمع الضمير في قوله‏:‏ ‏{‏أجرهم عند ربهم‏}‏ مراعاة لما صدق ‏(‏مَنْ‏)‏، وأُفرد شرطها أوصلتها مراعاةً للفظها‏.‏ ومما حسَّن ذلك هنا وجَعَله في الموقع الأعلى من البلاغة أن هذين الوجهين الجائزين عربيةً في معاد الموصولات وأسماء الشروط قد جمع بينهما على وجه أَنْبَأَ على قصد العموم في الموصول أو الشرط فلذلك أتى بالضمير الذي في صلته أو فعله مناسباً للفظه لقصد العموم ثم لما جيء بالضمير مع الخبر أو الجواب جُمِع ليكون عوداً على بدء فيرتبط باسم ‏(‏إِنَّ‏)‏ الذي جيء بالموصول أو الشرط بدلاً منه أو خبراً عنه حتى يعلم أن هذا الحكم العام مراد منه ذلك الخاص أوَّلاً، كأنه قيل إن الذين آمنوا إلخ كل من آمن بالله وعمل إلخ فلِأُولئك الذين آمنوا أجرُهم فعُلم أنهم مما شمله العموم على نحوما يذكره المناطقة في طي بعض المقدمات للعلم به، فهو من العام الوارد على سبب خاص‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولا خوف عليهم‏}‏ قراءة الجميع بالرفع لأن المنفي خوف مخصوص وهو خوف الآخرة‏.‏ والتعبير في نفي الخوف بالخبر الاسمي وهو ‏{‏لا خوف عليهم‏}‏ لإفادة نفي جنس الخوف نفياً قاراً، لدلالة الجملة الاسمية على الدوام والثبات، والتعبير في نفي خوف بالخبر الفعلي وهو ‏{‏يحزنون‏}‏ لإفاد تخصيصهم بنفي الحزن في الآخرة أي بخلاف غير المؤمنين‏.‏ ولما كان الخوف والحزن متلازمين كانت خصوصية كل منهما سارية في الآخر‏.‏

واعلم أن قوله‏:‏ ‏{‏فلهم أجرهم‏}‏ مقابل لقوله‏:‏ ‏{‏وباءوا بغضب من الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 61‏]‏ ولذلك قرن بعند الدالة على العناية والرضى‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولا خوف عليهم‏}‏ مقابل ‏{‏وضربت عليهم الذلة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 61‏]‏ لأن الذلة ضد العزة فالذليل خائف لأنه يخشى العدوان والقتل والغزو، وأما العزيز فهو شجاع لأنه لا يخشى ضراً ويعلم أن ما قدره له فهو كائن قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولله العزة ولرسوله للمؤمنين‏}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏ 8‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولا هم يحزنون‏}‏ مقابل قوله‏:‏ ‏{‏والمسكنة‏}‏ لأن المسكنة تقضي على صاحبها بالحزن وتمني حسن العيش قال تعالى‏:‏ ‏{‏من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 97‏]‏ فالخوف المنفي هو الخوف الناشئ عن الذلة والحزن المنفي هو الناشئ عن المسكنة‏.‏